الخميس يناير 29, 2026

صفات الله كلها كاملة

   (صفات الله أزلية أبدية لأن الذات أزلى فلا تحصل له صفة لم تكن فى الأزل) ولا تقبل صفاته التغير والتطور لأن التغير والتطور من حال إلى حال علامة الحدوث (أما صفات الخلق فهى حادثة تقبل التطور من كمال إلى أكمل) فالإنسان يقبل الزيادة والنقصان والتغير من الكمال إلى النقص والعكس أما الله تعالى لا يزداد ولا ينقص فصفات الله لا تقبل التطور من كمال إلى أكمل وعلم الله لا يزداد ولا ينقص بل علمه كامل كما سائر صفاته يعلم به كل شىء (فلا يتجدد على علم الله تعالى شىء) بل هو عالم فى الأزل بكل شىء فالتغير يحصل فى المعلوم الحادث لا فى علم الله الأزلى (والله تعالى خلق كل شىء بعلمه الأزلى وقدرته الأزلية ومشيئته الأزلية. فالماضى والحاضر والمستقبل بالنسبة لله أحاط به بعلمه الأزلى) أى أن الله يعلم ما كان فى الماضى وما يكون فى الوقت الحاضر وما سيكون فى المستقبل حتى الأشياء التى تتجدد فى الآخرة الله علم بها فى الأزل حتى أنفاس أهل الجنة وأهل النار التى تتجدد بلا انقطاع الله تعالى يعلم بتفصيلها (وأما قوله تعالى ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ فليس معنى ذلك أنه سوف يعلم المجاهدين بعد أن لم يكن عالما بهم بالامتحان والاختبار وهذا يستحيل على الله تعالى بل معنى الآية حتى نميز أى حتى نظهر للعباد المجاهدين منكم والصابرين من غيرهم. ويكفر من يقول إن الله تعالى يكتسب علما جديدا. وصفات الله تعالى كلها كاملة قال تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾) ومعناه أن الله تعالى له الأسماء التى تدل على الكمال فالله لا يوصف إلا بصفة كمال فما كان من الأسماء لا يدل على الكمال لا يجوز أن يكون اسمه كما يسميه بعض الناس »ءاه« فهذا لا يجوز لأن كلمة ءاه وضعها العرب لتدل على الشكاية والتوجع وقد روى الترمذى فى سننه أن رسول الله قال »إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه وإذا قال ءاه ءاه فإن الشيطان يضحك من جوفه« أى يدخل إلى فمه ويسخر منه. ومن الدليل على أن ءاه ليس من أسماء الله أن الفقهاء قالوا إن من قال ءاه فى الصلاة عامدا بطلت صلاته ومعلوم أن ذكر الله لا يبطل الصلاة فلو كان ءاه من أسماء الله لما أبطل الصلاة. وأسماء الله الحسنى يطلق عليها صفات الله ويطلق عليها أسماء الله إلا لفظ الجلالة لا يطلق عليه الصفة ثم إن أسماء الله تعالى قسمان قسم لا يسمى به غيره وقسم يسمى به غيره الله والرحمٰن والقدوس والخالق والرزاق ومالك الملك وذو الجلال والإكرام والمحيى والمميت لا يسمى به إلا الله أما أكثر الأسماء فيسمى به غير الله أيضا فيجوز أن يسمى الشخص ابنه رحيما والملك كذلك والسلام كذلك (و)قد (قال تعالى ﴿ولله المثل الأعلى﴾) أى لله الوصف الذى لا يشبه وصف غيره. أما اتفاق اللفظ فلا يعنى اتفاق المعنى فالله تعالى يوصف بالصفات التى تدل على الكمال والتى لا تكون لغيره (فيستحيل فى حقه تعالى أى نقص) كالجهل والعجز (وأما قوله تعالى ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾) فقد أسند الله فيه المكر إلى نفسه ومكر الله ليس كمكر العباد (فالمكر من الخلق خبث وخداع لإيصال الضرر إلى الغير) بطريقة خفية (باستعمال حيلة وأما) المكر (من الله تعالى فهو مجازاة الماكرين بالعقوبة من حيث لا يدرون) فيوصل الضرر إلى من يشاء من عباده من حيث لا يعلم ذلك العبد ولا يظن ولا يحسب أن الضرر يأتيه من هنا (وبعبارة أخرى إن الله أقوى فى إيصال الضرر إلى الماكرين من كل ماكر جزاء لهم على مكرهم فالمكر بمعنى الاحتيال) مذموم وهو (مستحيل على الله) أما مكر الله فلا يذم لأن الله لا يجوز عليه الظلم لا يكون ظالما إن انتقم من عباده الظالمين بما شاء (وكذلك قوله تعالى ﴿الله يستهزئ بهم﴾ أى يجازيهم على استهزائهم) وهذه الآية نزلت فى المنافقين لأنهم كانوا لما يجتمعون بأمثالهم يتكلمون ببغض الإسلام وكراهيته الله أخبرنا أنه يجازيهم بما يليق بهم وهذه المجازاة سماها استهزاء. والمنافقون هم الذين يكرهون الإسلام فى قلوبهم ويتظاهرون بالإسلام أمام المسلمين ويعملون أعمال المسلمين ولكن قلوبهم فيها شك أو إنكار (واعلم أن العلماء يقولون نؤمن بإثبات ما ورد فى القرءان والحديث الصحيح كالوجه واليد والعين والرضا والغضب وغيره على أنها صفات يعلمها الله لا على أنها جوارح وانفعالات كأيدينا ووجوهنا وعيوننا وغضبنا) فيصح أن يقال لله يد لا كأيدينا ووجه لا كوجوهنا وعين لا كأعيننا ولا يصح أن يقال الله جالس لا كجلوسنا لأن ذلك لم يرد لا فى القرءان ولا فى الحديث ولا عن الأئمة والجلوس لا يوصف به إلا المخلوق قال أهل السنة »ما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا«. فالوجه واليد والعين إذا إنسان أنكر واحدة منها لا نكفره إلا إذا كان اطلع فى القرءان عليها ومع ذلك أنكرها فعندها نكفره أى إن أنكر أصل الإضافة مع تنزيه الله عن الجوارح بعد أن اطلع فى القرءان على ذلك فهذا يكفر. فالعين تأتى بمعنى الحفظ كما فى قوله تعالى ﴿تجرى بأعيننا﴾، واليد تأتى بمعنى القدرة والقدرة هى القوة كما فى قوله تعالى ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ وتأتى بمعنى العهد كما فى قوله تعالى ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ أى عهد الله فوق عهودهم أى ثبت عليهم عهد الله لأن معاهدتهم للرسول تحت شجرة الرضوان فى الحديبية على أن لا يفروا معاهدة لله تبارك وتعالى لأن الله تعالى هو الذى أمر نبيه بهذه المبايعة. والله تعالى يغضب ويرضى لا كأحد من الورى كما نطق به القرءان بقوله تعالى ﴿رضى الله عنهم﴾ وفى حق الكفار ﴿وغضب الله عليهم ولعنهم﴾ والغضب إذا وصف الله به يكون بمعنى إرادة الانتقام أما الرضا فهو عبارة عن إرادة إنعامه على عباده أو عن نفس إنعامه عليهم وهذا هو معنى الرحمة أيضا. فالخلف وبعض السلف أرجعوا الصفتين إلى الإرادة أما السلف فيقولون الله يغضب ويرضى بلا كيف وكلا القولين صحيح فهم متفقون على تنزيه الله عن الجوارح والانفعالات (فإن الجوارح) والانفعالات (مستحيلة على الله لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ وقوله ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾. قالوا لو كان لله عين بمعنى الجارحة والجسم لكان له أمثال فضلا عن مثل واحد ولجاز عليه ما يجوز على المحدثات من الموت والفناء والتغير والتطور ولكان ذلك خروجا من مقتضى البرهان العقلى على استحالة التغير والتحول من حال إلى حال على الله لأن الدلائل العقلية على حدوث العالم طروء صفات لم تكن عليه والتحول من حال إلى حال. ولا يصح إهمال العقل لأن الشرع لا يأتى إلا بمجوزات العقل أى إلا بما يقبله العقل لأنه شاهد الشرع فالعقل يقضى بأن الجسم والجسمانيات أى الأحوال العارضة للجسم محدثة لا محالة وأنها محتاجة لمحدث فيلزم من ذلك أن يكون المتصف بها له محدث ولا تصح الألوهية لمن يحتاج إلى غيره).