الخميس يناير 29, 2026

ما يستثنى من ألفاظ الكفر القولي

يستثنى من الكفر اللفظي: حالة سبق اللسان: أي أن يتكلم بشىء من ذلك من غير إرادة بل جرى على لسانه ولم يقصد أن يقوله بالمرة.

وحالة غيبوبة العقل: أي عدم صحو العقل.

وحالة الإكراه: فمن نطق بالكفر بلسانه مكرها بالقتل ونحوه وقلبه مطمئن بالإيـمان فلا يكفر قال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيـمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيـمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله﴾ الآية [سورة النحل/106].

حالة الحكاية لكفر الغير: فلا يكفر الحاكي كفر غيره على غير وجه الرضى والاستحسان، ومستندنا في استثناء مسئلة الحكاية قول الله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [سورة التوبة/30]، ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ [سورة المائدة/64].

ثم الحكاية المانعة لكفر حاكي الكفر إما أن تكون في أول الكلمة التي يحكيها عمن تكلم بكفر، أو بعد ذكره الكلمة عقبها وقد كان ناويا أن يأتي بأداة الحكاية قبل أن يقول كلمة الكفر، فلو قال: المسيح ابن الله قول النصارى، أو قالته النصارى، فهي حكاية مانعة للكفر عن الحاكي.

وحالة كون الشخص متأولا باجتهاده في فهم الشرع: فإنه لا يكفر المتأول إلا إذا كان تأوله في القطعيات فأخطأ فإنه لا يعذر كتأول الذين قالوا بقدم العالم وأزليته كابن تيمية. وأما مثال من لا يكفر ممن تأول فهو كتأول الذين منعوا الزكاة في عهد أبي بكر بأن الزكاة وجبت في عهد الرسول لأن صلاته كانت عليهم سكنا لهم وطهرة – أي رحمة وطمأنينة – وأن ذلك انقطع بموته فإن الصحابة لم يكفروهم لذلك لأن هؤلاء فهموا من قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [سورة التوبة/103] أن المراد من قوله خذ أي يا محمد الزكاة لتكون إذا دفعوها إليك سكنا لهم، وأن هذا لا يحصل بعد وفاته فلا يجب عليهم دفعها لأنه قد مات وهو المأمور بأخذها منهم، ولم يفهموا أن الحكم عام في حال حياته وبعد موته وإنما قاتلهم أبو بكر كما قاتل المرتدين الذين اتبعوا مسيلمة الكذاب في دعواه النبوة لأنه ما كان يمكنه أن يأخذ منهم قهرا بدون قتال لأنهم كانوا ذوي قوة فاضطر إلى القتال. وكذلك الذين فسروا قول الله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ بأنه تخيير وليس تحريما للخمر فشربوها لأن عمر ما كفرهم وإنما قال: »اجلدوهم ثمانين ثمانين، ثم إن عادوا فاقتلوهم« اهـ. رواه ابن أبي شيبة. إنما كفروا الآخرين الذين ارتدوا عن الإسلام لتصديقيهم لمسيلمة الكذاب الذي ادعى الرسالة، فمقاتلتهم لهؤلاء الذين تأولوا منع الزكاة على هذا الوجه كان لأخذ الحق الواجب عليهم في أموالهم، وذلك كقتال البغاة فإنهم لا يقاتلون لكفرهم بل يقاتلون لردهم إلى طاعة الخليفة، كالذين قاتلهم سيدنا علي في الوقائع الثلاث: وقعة الجمل، ووقعة صفين مع معاوية، ووقعة النهروان مع الخوارج على أن من الخوارج صنفا هم كفار حقيقة فأولئك لهم حكمهم الخاص.

قال الحافظ أبو زرعة العراقي في نكته: »وقال شيخنا البلقيني: ينبغي أن يقال بلا تأويل ليخرج البغاة والخوارج الذين يستحلون دماء أهل العدل وأموالهم ويعتقدون تحريم دمائهم على أهل العدل، والذين أنكروا وجوب الزكاة عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكفروهم« اهـ. وهذا شاهد من منقول المذهب لمسئلة التأويل بالاجتهاد.

ومما يشهد من المنقول في مسئلة الاجتهاد بالتأول وحكاية الكفر قول شمس الدين الرملي في شرحه على منهاج الطالبين في أوائل كتاب الردة في شرح قول النووي: الردة قطع الإسلام بنية أو قول كفر ما نصه: فلا أثر لسبق لسان أو إكراه، واجتهاد وحكاية كفر.

وقول المحشي – أي صاحب الحاشية على الشرح – نور الدين علي الشبراملسي المتوفى سنة ألف وسبع وثمانين، عند قول الرملي: »واجتهاد« ما نصه: أي لا مطلقا كما هو ظاهر لما سيأتي من نحو كفر القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد والاستدلال. قال المحشي الآخر على الرملي أحمد بن عبد الرزاق المعروف بالمغربي الرشيدي المتوفى سنة ألف وست وتسعين قوله »واجتهاد« أي فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه بدليل كفر نحو القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد اهـ، ومن هنا يعلم أنه ليس كل متأول يمنع عنه تأويله التكفير، فليجعل طالب العلم قول الرشيدي المذكور فيما لم يقم دليل قاطع على ذكر – يعني أن يكون مستحضرا لهذه الكلمة في قلبه لأنها مهمة -، لأن التأول مع قيام الدليل القاطع لا يمنع التكفير عن صاحبه.

وقولنا في الخوارج باستثناء بعضهم من الذين لم يكفروا لثبوت ما يقتضي التكفير في بعضهم كما يؤيده قول بعض الصحابة الذين رووا أحاديث الخوارج.

وأما ما يروى عن سيدنا علي من أنه قال »إخواننا بغوا علينا« فليس فيه حجة للحكم على جميعهم بالإسلام، لأنه لم يثبت إسنادا عن علي، وقد قطع الحافظ المجتهد ابن جرير الطبري بتكفيرهم وغيره، وحمل ذلك على اختلاف أحوال الخوارج بأن منهم من وصل إلى حد الكفر ومنهم من لم يصل، وهذه المسئلة بعضهم عبر عنها بالاجتهاد وبعضهم عبر عنها بالتأويل، فممن عبر بالتأويل الحافظ الفقيه الشافعي سراج الدين البلقيني الذي قال فيه صاحب القاموس »علامة الدنيا« وعبر بعض شراح منهاج الطالبين بالاجتهاد وكلتا العبارتين لا بد لهما من قيد ملحوظ.

 ومن هنا يعلم أنه ليس كل متأول يمنع عنه تأويله التكفير، فلا يظن ظان أن ذلك مطلق لأن الإطلاق في ذلك انحلال ومروق من الدين.

ألا ترى أن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام المشتغلين بالفلسفة مرقوا من الدين باعتقادهم القول بأزلية العالم اجتهادا منهم ومع ذلك أجمع المسلمون على تكفيرهم كما ذكر ذلك المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع فإنه قال بعد أن ذكر الفريقين منهم الفريق القائل بأزلية العالم بمادته وصورته والفريق القائل بأزلية العالم بمادته أي بجنسه فقط ما نصه: »اتفق المسلمون على تضليلهم وتكفيرهم«.

وكذلك المرجئة القائلون بأنه لا يضر مع الإيـمان ذنب كما لا تنفع مع الكفر حسنة إنما قالوا ذلك اجتهادا وتأويلا لبعض النصوص على غير وجهها فلم يعذروا [فإنهم تأولوا هذه الآية ﴿وهل نجازي إلا الكفور﴾ حملوها على أن معناها لا عقوبة في الآخرة إلا على الكافر. وهذا التأول لا ينفعهم] وكذلك ضل فرق غيرهم وهم منتسبون إلى الإسلام كان زيغهم بطريق الاجتهاد بالتأويل، نسأل الله الثبات على الحق.

 قاعدة: اللفظ الذي له معنيان أحدهما نوع من أنواع الكفر والآخر ليس كفرا، وكان المعنى الذي هو كفر ظاهرا لكن ليس صريحا، لا يكفر قائله حتى يعرف منه أي المعنيين أراد، فإن قال أردت المعنى الكفري حكم عليه بالكفر وأجري عليه أحكام الردة وإلا فلا يحكم عليه بالكفر، وكذلك إن كان اللفظ له معان كثيرة وكان كل معانيه كفرا وكان معنى واحد منها غير كفر لا يكفر إلا أن يعرف منه إرادة المعنى الكفري، وهذا هو الذي ذكره بعض العلماء الحنفيين في كتبهم، وأما ما يقوله بعض الناس من أنه إذا كان في الكلمة تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير أخذ بترك التكفير فلا معنى له، ولا يصح نسبة ذلك إلى مالك، ولا إلى أبي حنيفة كما نسب سيد سابق شبه ذلك إلى مالك، وهو شائع على ألسنة بعض العصريين فليتقوا الله.   

قال العلماء: أما الصريح أي الذي ليس له إلا معنى واحد يقتضي التكفير فيحكم على قائله بالكفر كقول أنا الله حتى لو صدر هذا اللفظ من ولي في حالة غيبة عقله يعزر ولو لم يكن هو مكلفا تلك الساعة قال ذلك عز الدين بن عبد السلام، وذلك لأن التعزير يؤثر فيمن غاب عقله كما يؤثر في الصاحي العاقل وكما يؤثر في البهائم فإنها إذا جمحت فضربت تكف عن جموحها مع أنها ليست بعاقلة. كذلك الولي الذي نطق بالكفر في حال الغيبة لما يضرب أو يصرخ عليه يكف للزاجر الطبيعي. على أن الولي لا يصدر منه كفر في حال حضور عقله إلا أن يسبق لسانه أو يغيب عقله، لأن الولي محفوظ من الكفر بخلاف المعصية الكبيرة أو الصغيرة فإن ذلك يجوز على الولي لكن لا يستمر عليه بل يتوب عن قرب. وقد يحصل من الولي معصية كبيرة قبل موته بقليل لكن لا يموت إلا وقد تاب كطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما فإنهما خرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بوقوفهما مع الذين قاتلوه في البصرة فذكر علي كلا منهما حديثا، أما الزبير فقال له ألم يقل لك رسول الله »إنك لتقاتلن عليا وأنت ظالم له« فقال نسيت، فذهب منصرفا عن قتاله ثم لحقه في طريقه رجل من جيش علي فقتله. فتاب بتذكير علي له فلم يمت إلا تائبا. وأما طلحة فقال له علي: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم »من كنت مولاه فعلي مولاه« فذهب منصرفا فضربه مروان بن الحكم فقتله. وهو أيضا تاب وندم عند ذكر علي له هذا الحديث. فكل منهما ما مات إلا تائبا. وكلا الحديثين صحيح بل الحديث الثاني متواتر. وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري أن طلحة والزبير مغفور لهما لأجل البشارة التي بشرهما رسول الله بها مع ثمانية ءاخرين في مجلس واحد فهذا من الإمام أبي الحسن الأشعري إثبات أنهما أثما. وكذلك قال في حق عائشة لأجل أنها مبشرة أيضا وكانت ندمت ندما شديدا من وقوفها في المقاتلين لعلي حتى كانت لما تذكر سيرها إلى البصرة ووقوفها مع المقاتلين لعلي تبكي بكاء شديدا يبتل من دموعها خمارها. وهذا متواتر أيضا. وقال في غيرهما من مقاتلي علي من أهل وقعة الجمل ومن أهل صفين الذين قاتلوا مع معاوية عليا »مجوز غفرانه والعفو عنه« كما نقل ذلك الإمام أبو بكر بن فورك عن أبي الحسن الأشعري في كتابه مجرد مقالات الأشعري، وابن فورك تلميذ تلميذ أبي الحسن الأشعري وهو أبو الحسن الباهلي رضي الله عنهم. وما يظن بعض الجهلة من أن الولي لا يقع في معصية فهو جهل فظيع. فهؤلاء الثلاثة طلحة والزبير وعائشة من أكابر الأولياء.

قال إمام الحرمين الجويني: اتفق الأصوليون على أن من نطق بكلمة الردة – أي الكفر – وزعم أنه أضمر تورية [أي أنه أراد به معنى بعيدا عن المعنى المتبادر من الكلمة] كفر ظاهرا وباطنا وأقرهم على ذلك أي فلا ينفعه التأويل البعيد كالذي يقول: »يلعن رسول الله« ويقول قصدي برسول الله الصواعق.

وقد عد كثير من الفقهاء كالفقيه الحنفي بدر الرشيد وهو قريب من القرن الثامن الهجري أشياء كثيرة فينبغي الاطلاع عليها فإن من لم يعرف الشر يقع فيه فليحذر، فقد ثبت عن أحد الصحابة أنه أخذ لسانه وخاطبه: يا لسان قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه«، [رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن مسعود] ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر.

وفي حديث ءاخر للرسول صلى الله عليه وسلم »إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب« رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.