الثلاثاء فبراير 17, 2026

سورة الإنسان

وتسمى سورة الدهر وهى مكية وقيل مدنية وقيل فيها

مكي ومدنى وهى إحدى وثلاثون ءاية

بسم الله الرحمٰن الرحيم

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31)

   ﴿هل أتى﴾ أى قد أتى ﴿على الإنسان حين من الدهر﴾ قيل الإنسان هنا هو ءادم عليه السلام وقيل جميع الناس، والحين الذى مر عليه هى المدة التى بقى فيها إلى أن نفخ فيه الروح وقيل الإنسان هنا هو ابن ءادم، والحين الذى مر عليه إما حين عدمه وإما حين كونه نطفة وانتقاله من رتبة إلى رتبة حتى حين إمكان خطابه وسمى إنسانا باعتبار ما صار إليه ﴿لم يكن شيئا مذكورا﴾ أي لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح.

   ﴿إنا خلقنا الإنسان﴾ أى بنى ءادم ﴿من نطفة﴾ أى من منى الرجل ومنى المرأة ﴿أمشاج﴾ أى أخلاط وهو وصف للنطفة والمراد ماء الرجل وماء المرأة يختلطان فى الرحم فيكون منهما الولد بمشيئة الله ﴿نبتليه﴾ أى نختبره بالتكليف فى الدنيا ﴿فجعلناه سميعا بصيرا﴾ أى ذا سمع يسمع به وبصر يبصر به إنعاما من الله على عباده بذلك.

   ﴿إنا هديناه السبيل﴾ أى بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر ﴿إما شاكرا﴾ أى مؤمنا ﴿وإما كفورا﴾ أى كافرا. ولما كان الشكر قل من يتصف به قال »شاكرا«، ولما كان الكفر كثر من يتصف به ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر جاء كفورا بصيغة المبالغة.

   وأتبع ذكر الفريقين الوعيد والوعد فقال عز وجل ﴿إنا أعتدنا للكافرين﴾ أى هيأنا لمن أعرض عن الإيمان بالله أو برسوله ويدخل فى ذلك من سب الله أو النبى أو القرءان ونحو ذلك مما فيه استهزاء بالله أو الرسول أو الشريعة ﴿سلاسلا﴾ جمع سلسلة تكون فى أعناقهم يسحبون بها فى النار، ﴿وأغلالا﴾ جمع غل أى تشد بالأغلال فيها أيديهم إلى أعناقهم، ﴿وسعيرا﴾ أى نارا مسعرة يعذبون بها.

   وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة »سلاسل« بغير تنوين ووقفوا بألف.

   ﴿إن الأبرار﴾ أى المؤمنين الصادقين فى إيمانهم المطيعين لربهم بأداء ما فرض واجتناب ما نهى عنه ﴿يشربون من كأس﴾ أى إناء فيه شراب ﴿كان مزاجها﴾ أى كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كافورا﴾ يعنى فى طيب رائحتها كالكافور وقيل إن الكافور اسم عين ماء فى الجنة يقال له عين الكافور أى يمازجه ماء هذه العين التى تسمى كافورا.

   ﴿عينا﴾ أى كان مزاج الكأس التى يشرب بها هؤلاء الأبرار كالكافور فى طيب رائحته من عين ﴿يشرب بها﴾ أى يشربها وقيل يشرب منها ﴿عباد الله﴾ المراد بعباد الله هنا المؤمنون لأن الكفار لا يتنعمون فى الآخرة أبدا ﴿يفجرونها﴾ أى يجرون تلك العين التى يشربون بها كيف شاءوا وحيث شاءوا من منازلهم وقصورهم ﴿تفجيرا﴾ أى سهلا لا يمتنع عليهم.

   ﴿يوفون بالنذر﴾ أى لا يخلفون إذا نذروا وقيل كانوا فى الدنيا يوفون بالنذر والنذر الإيجاب والمعنى يوفون بما فرض الله عليهم فيدخل فيه جميع الطاعات من الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغير ذلك من الواجبات ﴿ويخافون﴾ أى يحذرون ﴿يوما﴾ أى يوم القيامة ﴿كان شره مستطيرا﴾ أى منتشرا فاشيا ممتدا والمعنى أنهم يوفون بالنذر وهم خائفون من شر ذلك اليوم وهوله وشدته.

   ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾ أى حب الطعام وقلته وشهوتهم له والحاجة إليه فهم مع ذلك يغيثون الملهوف. وقد وصف الله الأبرار بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم بالطعام ويواسون به أهل الحاجة وقيل »على حبه« أى على حب الله أى ابتغاء مرضاة الله تعالى ﴿مسكينا﴾ وهو الذى لا مال له يكفيه لسد حاجاته ﴿ويتيما﴾ وهو الذى مات أبوه وهو دون البلوغ ولا شىء له ﴿وأسيرا﴾ وهو المحبوس من الكفار.

   أخرج ابن المنذر عن ابن جرير فى قوله »وأسيرا« قال لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يأسر أهل الإسلام ولكنها نزلت فى أسارى أهل الشرك كانوا يأسرونهم فى العذاب فنزلت فيهم فكان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر بالصلاح إليهم.

   قال ابن الجوزى »فأما إطعامه ففيه ثواب بالإجماع لقوله عليه الصلاة والسلام »فى كل كبد رطبة أجر« والآية محمولة على التطوع بالإطعام« اهـ.

   ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ أى ابتغاء مرضاته ﴿لا نريد منكم جزاء﴾ أى مكافأة ﴿ولا شكورا﴾ أى ولا أن تثنوا علينا بذلك، قيل إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم بعلمه الأزلى فأثنى به عليهم وقيل قالوا ذلك منعا للمحتاجين من المكافأة وقيل قالوا ذلك ليقتدى بهم غيرهم فى ذلك وذلك لأن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله تعالى لا يراد به غيره فهذا هو الإخلاص وتارة يكون لطلب المكافأة أو لطلب الحمد من الناس أو لهما وهذان القسمان مردودان لا يقبلهما الله تعالى لأن فيهما رياء فنفوا ذلك عنهم بقولهم

   ﴿إنا نخاف من ربنا﴾ أى نطعمكم رجاء منا أن يؤمننا ربنا من عقوبته ﴿يوما﴾ أى فى يوم شديد هوله عظيم أمره ﴿عبوسا﴾ أى تعبس فيه الوجوه من شدة مكارهه ﴿قمطريرا﴾ أى شديدا أشد ما يكون من الأيام وأطوله فى البلاء.

   ﴿فوقاهم الله﴾ أى دفع عنهم ﴿شر ذلك اليوم﴾ أى بأسه وشدته وعذابه ﴿ولقاهم﴾ أى أعطاهم ﴿نضرة﴾ أى حسنا فى وجوههم ﴿وسرورا﴾ أى فرحا فى قلوبهم.

   ﴿وجزاهم بما صبروا﴾ أى وأثابهم الله بما صبروا فى الدنيا على طاعته والعمل بما يرضيه ﴿جنة﴾ أى أدخلوا الجنة ﴿وحريرا﴾ أى ألبسوا الحرير.

   ﴿متكئين﴾ أى جلوسا متمكنين وقيل الاتكاء الاضطجاع ﴿فيها﴾ أى فى الجنة ﴿على الأرائك﴾ أى على السرر فى الحجال وهى بيوت تزين بالثياب والأسرة والستور ﴿لا يرون فيها﴾ أى لا يجدون وهم فى الجنة ﴿شمسا﴾ أى حر شمس ﴿ولا زمهريرا﴾ أى ولا شدة برد ﴿ودانية عليهم ظلالها﴾ أى ظلال الأشجار فى الجنة قريبة من المؤمنين الأبرار مطلة عليهم زيادة فى نعيمهم وإن كان لا شمس ولا قمر فى الجنة ﴿وذللت﴾ أى سخرت لهم ﴿قطوفها﴾ أى ثمارها ﴿تذليلا﴾ أى تسخيرا فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم شوك ولا بعد، إن قام أحد ارتفعت له وإن جلس تدلت عليه وإن اضطجع دنت منه فأكل منها.

   ﴿ويطاف عليهم﴾ أى يدور على هؤلاء الأبرار الخدم ﴿بآنية﴾ من الأوانى التى يشربون فيها شرابهم وهى ﴿من فضة وأكواب﴾ أى الكيزان العظام التى لا ءاذان لها ولا عرى ﴿كانت قواريرا قواريرا من فضة﴾ أى فى صفاء القوارير وبياض الفضة فصفاؤها صفاء الزجاج وهى من فضة ﴿قدروها﴾ أى الطائفون ﴿تقديرا﴾ على قدر مراد الشاربين من غير زيادة ولا نقص.

   وقرأ أبو عبد الرحمٰن السلمى وأبو عمران والجحدرى وابن يعمر »قدروها« بضم القاف وكسر الدال المشددة وقرأ حميد وعمرو بن دينار »قدروها« بفتح القاف والدال وتخفيفها.

   ﴿ويسقون فيها﴾ أى الأبرار ﴿كأسا﴾ أى خمرا ولكنه ليس كخمر الدنيا ﴿كان مزاجها زنجبيلا﴾ أى أن الكأس تمزج بالزنجبيل وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته فرغبوا فى نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب.

   ﴿عينا فيها﴾ أى فى الجنة ﴿تسمى سلسبيلا﴾ أى سهلة المساغ فى الحلق وليس كزنجبيل الدنيا.

   ﴿ويطوف عليهم﴾ أى ويدور على المؤمنين الأبرار ﴿ولدان﴾ أى غلمان يخلقهم الله تعالى لخدمة أهل الجنة ﴿مخلدون﴾ أى لا يموتون ﴿إذا رأيتهم﴾ الخطاب هنا للنبى صلى الله عليه وسلم وقيل الخطاب لكل مؤمن يدخل الجنة والمعنى إذا رأيت هؤلاء الولدان ﴿حسبتهم لؤلؤا منثورا﴾ أى لحسنهم ونقاء بياض وجوههم وكثرتهم وانبثاثهم فى مجالسهم، واللؤلؤ إذا نثر على بساط كان أزين فى النظر من المنظوم.

   ﴿وإذا رأيت﴾ أى إذا رأيت ببصرك ونظرت به ﴿ثم﴾ أى الجنة ﴿رأيت نعيما وملكا كبيرا﴾ أى واسعا فقد ثبت فى صحيح البخارى أن ءاخر أهل النار خروجا منها وءاخر أهل الجنة دخولا إليها له مثل الدنيا وعشرة أمثالها.

   وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال دخل عمر بن الخطاب على النبى صلى الله عليه وسلم وهو راقد على حصير من جريد وقد أثر فى جنبه فبكى عمر فقال له »ما يبكيك يا عمر« قال ذكرت كسرى وملكه وهرمز وملكه وصاحب الحبشة وملكه وأنت رسول الله صلى الله عليك وسلم على حصير من جريد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم »أما ترضى أن لهم الدنيا ولنا الآخرة« فأنزل الله تعالى ﴿وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا﴾.

   ﴿عاليهم﴾ أى فوقهم ﴿ثياب سندس﴾ أى الثياب الرقيقة من الديباج وهو الحرير ﴿خضر﴾ جمع أخضر ﴿وإستبرق﴾ وهو ما غلظ من الديباج ﴿وحلوا﴾ أى أهل الجنة ﴿أساور﴾ جمع أسورة ﴿من فضة وسقاهم ربهم﴾ أضاف الله السقيا إليه للتشريف ﴿شرابا طهورا﴾ طهور صفة مبالغة فى الطهارة ومن طهره أنه لا يصير بولا نجسا ولكنه يصير رشحا يخرج من أبدانهم كرشح المسك.

   وقرأ أهل المدينة وحمزة والمفضل عن عاصم »عاليهم« بإسكان الياء وكسر الهاء وقرأ الباقون بفتح الياء وقرأ ابن عامر وأبو عمرو »خضر« بالرفع »وإستبرق« بالخفض وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم »خضر« بالخفض »وإستبرق« بالرفع وقرأ نافع وحفص عن عاصم »خضر وإستبرق« كلاهما بالرفع وقرأ حمزة والكسائى »خضر وإستبرق« كلاهما بالخفض.

   ﴿إن هذا﴾ أى النعيم ﴿كان لكم جزاء﴾ أى ثوابا على ما كنتم فى الدنيا تعملون من الصالحات ﴿وكان سعيكم﴾ أى عملكم ﴿مشكورا﴾ أى مقبولا مثابا.

   ﴿إنا نحن نزلنا عليك﴾ أى يا محمد هذا ﴿القرءان﴾ ما افتريته ولا جئت به من عندك ولا من تلقاء نفسك كما يدعيه المشركون ﴿تنزيلا﴾ أى نزل ءاية بعد ءاية ولم ينزل على النبى جملة واحدة إنما أنزل عليه متفرقا. ثم أمره الله تعالى بالصبر فقال

   ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ أى لقضاء ربك وتبليغ رسالته ﴿ولا تطع منهم﴾ أى من المشركين ﴿ءاثما﴾ أى مرتكب الإثم الداعى لك إليه ﴿أو كفورا﴾ أى الغالى فى الكفر الداعى إليه والكفور وإن كان ءاثما فإن فيه مبالغة فى الكفر، والنبى صلى الله عليه وسلم لا يتصور فى حقه أن يطيع أحدا منهم لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن مثل ذلك.

   أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل قال لئن رأيت محمدا يصلى لأطأن عنقه فأنزل الله ﴿ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا﴾.

   قال ابن الجوزى »زعم بعضهم أنها منسوخة بآية السيف وقد تكلمنا على نظائرها وبينا عدم النسخ« اهـ.

   ﴿واذكر اسم ربك﴾ أى صل لربك ﴿بكرة﴾ يعنى صلاة الصبح ﴿وأصيلا﴾ يعنى صلاة الظهر والعصر.

   ﴿ومن الليل فاسجد له﴾ يعنى صلاة المغرب والعشاء ﴿وسبحه ليلا طويلا﴾ يعنى صلاة التطوع بعد الصلاة المفروضة وهو التهجد بالليل.

   ﴿إن هؤلاء﴾ يعنى الكفار ﴿يحبون العاجلة﴾ أى يؤثرون الدنيا على الآخرة ﴿ويذرون﴾ أى ويدعون ﴿وراءهم﴾ أى أمامهم وهو ما يستقبلون من الزمان ﴿يوما ثقيلا﴾ أى يوما شديدا وهو يوم القيامة والمعنى أنهم يتركونه فلا يؤمنون به ولا يعملون له واستعير الثقيل لليوم لشدته وهوله من ثقل الجرم الذى يتعب صاحبه.

   ﴿نحن خلقناهم﴾ أى من طين ﴿وشددنا﴾ أى قوينا وأحكمنا وأحسنا ﴿أسرهم﴾ أى خلقهم وقيل شددنا مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وقيل الأسر مجرى البول والغائط وذلك أنه إذا خرج الأذى انقبضا، والكلام خرج مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالمعصية أى سويت خلقك أيها الإنسان وأحكمته ثم أنت تكفر بى ﴿وإذا شئنا﴾ أى تبديل أمثالهم بإهلاكهم ﴿بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ ممن يطيع.

   ﴿إن هذه﴾ أى السورة أو ءايات القرءان أو جملة الشريعة ليس على جهة التخيير بل على جهة التحذير من اتخاذ غير سبيل الله كما قال أبو حيان فى تفسيره ﴿تذكرة﴾ أى موعظة ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ أى طريقا موصلا إلى طاعته وطلب مرضاته.

   ﴿وما تشاءون﴾ أى الطاعة والاستقامة واتخاذ السبيل إلى الله ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أى لا يحصل ذلك إلا بمشيئة الله عز وجل، وفى هذه الآية حجة لأهل السنة حيث قالوا إن جميع ما يصدر من العبد من خير أو شر طاعة أو معصية إيمان أو كفر بخلق الله ومشيئته لم يخلقه أحد سوى الله ﴿إن الله كان عليما﴾ أى عالما بأعمالكم وما يصدر منكم قبل خلقكم ﴿حكيما﴾ أى فى أمره ونهيه لكم وفى فعله.

   وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر »وما يشاؤون« بالياء.

   ﴿يدخل من يشاء فى رحمته﴾ وهم المؤمنون يدخلهم الجنة ﴿والظالمين﴾ أى الكافرين إما بالإعراض عن الإيمان بالله أو الرسول أو بشتمهما ﴿أعد لهم﴾ أى فى الآخرة ﴿عذابا أليما﴾ أى عذابا مؤلما موجعا وهو عذاب جهنم.

   وفى هذه الآية رد على الذين يقولون إن عذاب جهنم معنوى لا حسى أى يزعمون أن ءايات الوعيد للتخويف فقط لا حقيقة لها فى الآخرة وهذا إلحاد وكفر بالقرءان.