الخميس يناير 29, 2026

تنزيه الله عن المكان

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وأصحابه وسائر الأنبياء وجميع أولياء أمة محمد ﷺ.

     أما بعد فإن أهم الأمور عند الله وأعلاها وأفضلها هو معرفة الله ورسوله كما ينبغى، ليس مجرد أن يقول القائل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله بلسانه، لا يكفى مجرد الاعتراف باللسان بل لا بد من المعرفة بالقلب لمعنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن عرف معنى لا إله إلا الله ومعنى محمد رسول الله كما يجب، واعتقد بقلبه ولم يخالجه شك هذا مضمون له النجاة من الخلود الأبدى فى جهنم، مهما كان عنده ذنوب ومات وهو غافل لا بد أن يدخل الجنة، مهما تعذب فى النار لا بد أن يدخل الجنة لأن من لم يعرف المعنى وكان يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله لا ينفعه بعد الموت.

     فى الدنيا تخفى كثير من الحقائق أما بعد الموت الأمور تنجلى على حقيقتها من كان يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله بين الناس ثم هو لم يعرف معناهما ومات على ذلك أى وهو جاهل بمعناهما، هذا فى القبر لا ينفعه ذلك ولا فى الآخرة.

     ومعنى لا إله إلا الله لا أحد يستحق نهاية التعظيم والخضوع والتذلل إلا الله، الله تعالى هو الذى يستحق على عباده نهاية التذلل والتعظيم، لا أحد يجوز أن يعظم كما يعظم الله، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الأولياء يستحقون أن يعظموا كما يعظم الله، لكن يعظمون إلى حد يليق بهم ليس إلى حد تعظيم الله. تعظيم الله تعظيم مطلق، هو غاية التعظيم، نعظمه غاية التعظيم، والملائكة والأنبياء يعظمونه يخضعون له يتذللون له أكثر منا يتذللون لربهم، الأنبياء والملائكة هم أفضل الخلق. معنى لا إله إلا الله لا أحد يستحق نهاية التعظيم إلا الله، والله معناه ذات متصف بصفات الكمال، موجود لا يشبه الموجودات، لا يشبه شيئا من العوالم التى رأيناها والتى لم نرها لا يشبه الإنسان ليس شيئا له نصف أعلى ونصف أسفل كالإنسان ولا كالجمادات كالشمس والقمر والكواكب ولا هو كالهواء والضوء والظلام لا يشبه هذا كله.

     كل ما يتصور بالبال فالله بخلاف ذلك، مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك، هذا الكلام قاله الإمام ذو النون المصرى الذى هو من أكابر الأولياء الذين كانت ألسنتهم تفيض بجواهر العلوم، هذا العالم الجليل قال هذا الكلام وهو أخذ هذا الكلام من القرءان لأن الله فى القرءان ذكر أنه ليس كمثله شىء قال تعالى ﴿ليس كمثله شىء [سورة الشورى] الله تعالى عن نفسه قال إنه لا شىء مثله لا الإنسان يشبهه ولا النيرات كالشمس والقمر والنجوم ولا الهواء ولا الريح ولا الماء ولا غير ذلك من اللطائف. الروح مخلوقة بعض الجهال يقولون الروح جزء من الله على زعمهم الله تعالى حال فينا لأن الروح فينا وهذه الروح على زعمهم جزء من الله، هؤلاء ما عرفوا الله، الله تعالى لا يحل فى شىء ولا يحل فيه شىء، والله تبارك وتعالى لا يمس ولا يمس، خلق العالم من دون مباشرة ولا ءالة، ليس مثلنا نحن نبنى البناء بحركات وأدوات وءالات وهو ليس كذلك خلقنا من دون مباشرة من دون حركات ومزاولات، بمشيئته الأزلية حصل كل شىء فدخل فى الوجود. هو تبارك وتعالى شاء فى الأزل، قبل أن يخلق العالم شاء كل ما سيحدث فحدث كل ما شاء وجوده أى دخوله فى الوجود، شاء فى الأزل قبل أن يكون شىء سواه، ما كان فى الأزل شىء إلا الله، لم يكن عرش ولا سماء ولا جنة ولا نار ولا هواء ولا نور ولا ظلام.

     شىء يحتار فيه العقل، إذا قيل لك كيف يكون فيما مضى وجود بلا ظلام ولا ضوء، هذا شىء يحتار فيه العقل، يحتار فيه إدراك الإنسان، لكن نحن نؤمن فنقول لم يكن فى الأزل لا ضوء ولا ظلام، فالله كان هو وحده، لا ضوء ولا ظلام ولا هواء ولا روح ولا شىء، كان هو وحده ثم خلق قبل كل شىء الماء ثم من الماء خلق العرش ثم خلق من الماء القلم الأعلى، غير أقلامنا هذه، وخلق اللوح المحفوظ، هذا اللوح المحفوظ ليس كدفاترنا ولا كهذه الألواح التى نكتب عليها إنما هو جسم كبير مقداره مقدار مسافة خمسمائة عام، مساحته اتساعه مقدار خمسمائة عام.

     الله تبارك وتعالى امتن على سيدنا محمد بالمعراج أى العروج إلى سدرة المنتهى ثم إلى ما فوق ذلك إلى حيث شاء الله، وذلك ليريه عجائب الملكوت الأعلى حتى يزداد يقينا بربه وإجلالا وتعظيما، هذا هو المقصود من المعراج، فذلك المكان الذى كان وصل إليه الرسول هو مكان للرسول، فى ذلك الوقت، الرسول كان متحيزا هناك أما الله تبارك وتعالى فهو موجود بلا مكان لا يجوز عليه أن يكون له حيز ولا يجوز عليه أن يكون له حد كما روى عن سيدنا على رضى الله عنه فى كتاب الحلية لأبى نعيم أنه قال «من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود» وكما هو مذكور فى كتاب أبى جعفر الطحاوى «تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات». الله تبارك وتعالى لا يجوز عليه أن يكون له مساحة، كل شىء من الأجرام أى من الأجسام له مساحة، الإنسان له مساحة والنملة لها مساحة أما الله تبارك وتعالى فلا يدخله الحد والمقدار لأن الشىء الذى يدخله الحد والمقدار لا بد أن يكون محتاجا إلى من جعله على هذا الحد والمقدار.

     المقصود من المعراج تشريف النبى بإطلاعه على عجائب العالم العلوى. أما الذى يعتقد أن الله يتصف بصفة من صفات البشر كالحركة والسكون أو التطور والتغير أو الزيادة والنقصان أو التأثر والانفعال، الذى يعتقد فى الله شيئا من هذا فهو كافر، الذى يصف الله بصفة من صفات البشر ما عرف الله، عليه أن يغير اعتقاده فيقول الله تعالى موجود لا كالموجودات منزه عن الكيفية والكمية والحركة والسكون والتطور والتغير والانفعال والتأثر، ثم يرجع إلى الإسلام عن هذا الكفر الاعتقادى بالنطق بالشهادتين. الله تعالى خلق المكان فلا يحتاج إليه قال ابن مكى فى الله تعالى قد كان موجودا ولا مكانا وحكمه الآن على ما كانا والذى يتوهم أن الرسول عرج به حتى يلقى الله تعالى بمكان هو مركزه وحيزه نقول له هذا جهل بالله تعالى، الله تعالى لو كان له مكان لكان له أمثال، ملائكة العرش يعيشون فى العرش، وملائكة السماء الأولى وملائكة السماء الثانية وملائكة السماء الثالثة والرابعة إلى السابعة يعيشون فى هذه السماوات، من كثرتهم سيدنا محمد ﷺ قال «ما فى السموات موضع كف ولا شبر ولا ذراع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد».

     فالله تبارك وتعالى لو كان له مكان لكان مثل هؤلاء الملائكة وهو تبارك وتعالى قال ﴿ليس كمثله شىء [سورة الشورى] نفى عن نفسه المشابهة وقد قال الإمام هبة الله بن مكى فى قصيدته التى ألفها على عقيدة الإمام أبى الحسن الأشعرى وأهداها إلى السلطان صلاح الدين الأيوبى ليعلمها فى المدارس فسميت بالعقيدة الصلاحية

وصانع العالم لا يحويه      قطر تعالى الله عن تشبيه

       قد كان موجودا ولا مكانا     وحكمه الآن على ما كانا

  سبحانه جل عن المكان             وعز عن تغير الزمان

     هؤلاء الذين يظنون أن الرسول عرج به إلى السماء السابعة وما بعدها إلى أن وصل إلى المكان الذى رأى فيه الله تبارك لأن الله تبارك كان مركزه هناك، هذا جهل بالله وضلال، هؤلاء يعلمون (ليرجعوا ويتشهدوا) وإلا يموتون على غير الإسلام تعليمهم واجب. من شدة الجهل قال بعضهم سيدنا محمد اقترب من الله بمسافة مثل مسافة ما بين هذا الحاجب وهذا الحاجب والعياذ بالله، من أين أتوا بهذا الكلام الفاسد، الله تعالى قال فى القرءان ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى [سورة النجم] هكذا هم فسروه، هكذا فسروا فقالوا الله نزل من أعلى بالحركة والانتقال حتى صار ما بينه وبين سيدنا محمد من المسافة كهذه من هذه ما هذا الجهل شبهوا الله بخلقه. وكذلك الذين يقولون إن الله جالس على الكرسى أو على العرش وترك لسيدنا محمد مكانا يجلسه فيه يوم القيامة. وهذا من أجهل الجهل وهذا تكذيب للآية القرءانية وكفر والعياذ بالله تعالى.

     وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.