الخميس يناير 29, 2026

الطريق إلى الله

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين.

     أما بعد فقد قال الله تبارك وتعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله [سورة ءال عمران]، علامة حب الله تعالى هو اتباع سيدنا محمد ﷺ فمن اتبع سيدنا محمدا اتباعا كاملا فهو من أولياء الله، من أحباب الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، سواء كانوا رجالا أو نساء، من كان فيه هذه الصفة فهو من أهل الولاية، وليس هناك أمر ءاخر يكون الإنسان به وليا إلا هذا الطريق وهو اتباع الرسول اتباعا كاملا ويكون ذلك بأداء الواجبات.

     ومن جملة الواجبات تعلم علم الدين الضرورى من لم يعرف علم الدين الضرورى لا يكون وليا، مهما أتعب نفسه فى العبادة لا يكون وليا، ثم علم الدين يتلقى من أهل المعرفة الذين تعلموا ممن قبله حتى يصل الاتصال إلى أصحاب رسول الله ﷺ فهذا الإمام الشافعى وهذا الإمام مالك وهذا الإمام أحمد بن حنبل وهذا الإمام أبو حنيفة ليسوا رجالا مفكرين يكتفون بآرائهم بل تلقوا العلم ممن قبلهم وأولئك الذين تلقوا منهم تلقوا ممن قبلهم إلى أن يصل الأمر إلى الصحابة إلى رسول الله ﷺ، من تعلم علم الدين على هذه الطريقة ولو القدر الضرورى وعمل به أى أدى الواجبات تعلم ما فرض الله على عباده واجتنب ما حرم الله وأكثر من النوافل هذا يكون ولى الله، هذا يقال له ولى، كذلك فيمن قبل سيدنا محمد، أمة موسى وأمة عيسى وأمة سليمان عليهم الصلاة والسلام كان فيهم أولياء، ليس الأولياء من خصوصيات أمة محمد، كان ذاك الذى يقال له جريج من أمة عيسى من الذين كانوا على شريعة المسيح، من الذين كانوا يصلون صلاة المسيح عليه السلام ويصومون صيامه على حسب تعاليم المسيح عيسى، فهذا جريج كان منهم كان اعتزل الناس للعبادة، كانت له أم تأتيه من وقت إلى وقت إلى الصومعة التى هو اعتزل فيها لعبادة الله، كان هو وليا حقيقيا اتبع المسيح عيسى عليه السلام اتباعا كاملا، أدى الواجبات واجتنب المحرمات بعد أن تعلم ما هو الواجب فى شريعة عيسى وما هو الحرام فى شريعة عيسى وتمسك بالنوافل، زاد على الفرائض وتجرد للعبادة، اعتزل الناس خارج المدينة فى مكان مرتفع حيث بنى صومعة من طين لأن همه الآخرة، واعتقد الناس أهل البلد فيه الصلاح والولاية حتى إن ملك تلك البلاد صار يعتقد فيه ذلك، ثم إن امرأة فاسدة قالت لبعض الفاسدين الفاسقين أنا أفتنه، فذهبت إليه وتعرضت له فى صومعته فلم يلتفت إليها، وما استطاعت أن تفتنه، وكان بالقرب من ذلك المكان رجل راع يرعى فواقعها هذا الراعى فحملت منه ثم لما ظهر حملها قالت هذا من جريج، وعندما تأكد الناس أنها حامل بأن وضعت ذهبوا إليه وبأيديهم الفؤوس ليهدموا له صومعته، قالوا هذا الذى كنا نحن نعتقد فيه أنه ولى الله يفجر بهذه المرأة فأخذوه ووضعوا فى عنقه حبلا وجروه وهدموا صومعته بالفؤوس فقال لهم أمهلونى حتى أصلى ركعتين فتوضأ إذ إن أمة عيسى كان لهم وضوء وصلاة فيها ركوع وسجود كما نحن، فتوضأ جريج وصلى ركعتين ثم قال لهذا الغلام المولود الذى وضعته هذه المرأة البغى يا غلام من أبوك، فأنطق الله الغلام فقال أبى الراعى. فلما سمعوا هذه التبرئة انكبوا عليه يقبلونه ويتمسحون به وقالوا له نبنى لك صومعتك من ذهب، قال لا، أعيدوها كما كانت من طين. فجريج هذا من أمة عيسى عليه السلام وهو ولى من أولياء الله.

     وكما فى الرجال كذلك فى النساء كان لا بد يوجد تقيات ممن اتبع المسيح، وكذلك فى أيام موسى وكذلك فى أيام سليمان. فهذا الذى حمل عرش بلقيس من أرض اليمن بكرامة أعطاه الله تعالى أى بالسر الذى أعطاه الله إياه حمل من اليمن إلى بر الشام عرش بلقيس بقدر ما يمد الإنسان عينه لينظر مد بصره قبل أن يطبق عينه أحضره، وهذا العرش شىء عظيم طوله ثمانون ذراعا من ذهب مكلل بالجواهر وعرضه أربعون، سليمان ليس رغبة فى عرشها هذا طلب إحضاره بل لتقتنع نفسها، حتى يقتنع قلبها بأن الإسلام الذى يدعو إليه سليمان هو الدين الصحيح وتدخل فى الإسلام لأنها كانت تعبد الشمس، وبلقيس كانت ملكة سبإ وهى أرض فى اليمن. وقد أسلمت بلقيس بعد أن رأت هذا العجب، وهذا الذى أحضر عرش بلقيس من تلك الأرض البعيدة يقال له ءاصف بن برخيا صاحب سليمان وهو من البشر على القول المشهور عند العلماء، كان وليا من الأولياء ما كان نبيا، كان يلازم سليمان لأن سليمان عليه السلام كان له عند الله جاه عظيم، الله تعالى أعطاه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، ومع هذا الملك العظيم سخر الله له الشياطين الكافرين، فإذا ما خالف أحد منهم أمره يحطمه الله تعالى، ينزل الله عليه عذابا فيتحطم، فكان هؤلاء الشياطين يبنون له مبانى فخمة ويخرجون له من قعر البحر الجواهر واللآلئ، كانوا مسخرين له، وسخر له الريح أيضا، كانت الريح تحمله وجيشه، بساط الريح يحمله صباحا إلى مسافة شهر ثم بعد الظهر يرده، وغير هذا مما أنعم الله به عليه.

     فالحاصل أن الأولياء كانوا فيمن قبل أمة محمد، كان أولياء فى أمة موسى وفى أمة عيسى وفى أمة سليمان ومن قبل ذلك. هذا هو الولى، ليس الولى الذى يتكهن للناس ويقول أنت يأتيك كذا وكذا مستقبلك كذا وكذا، هؤلاء قد يكونون معتمدين على النظر فى النجوم، والنجوم التى ينظرون فيها على حسب ما يقوله المنجمون فى كثير من الأشياء يوافق كلامهم وفى كثير من الأشياء لا يوافق كلامهم بل يكون كذبا وخطأ أو يكون له صاحب من الجن.

     والجن منهم هوائيون يطيرون فى الهواء يستطيعون أن يلموا الأخبار من عدة بلدان فى يوم واحد فى وقت قصير، يستطيعون أن يذهبوا إلى بيت فلان وإلى بيت فلان وفلان يطيرون ويتجسسون الأخبار ثم يأتون بهذه الأخبار للإنسان الذى له ارتباط معهم، يعطونه ويقولون له فلان حصل له كذا وكذا اليوم.

     وليعلم أن قسما كبيرا من الجن مسلمون مؤمنون والقسم الأكبر كفار أتباع إبليس.

     أما المسلمون منهم ففيهم طيبون أتقياء أولياء كما هو فى البشر والأغلب فجار فاسقون يؤذون الناس ويظلمون.

كما أن البشر الذين هم منا أكثرهم فاسقون يظلم هذا هذا ويسفك هذا دم هذا ويضرب هذا هذا ظلما، وهم كذلك أغلبهم فاسقون ولو كانوا مسلمين.

     فليس الولى من يتكهن، وينظر فى النجم ويقول للناس الولد الذى يولد فى هذه اللحظة مستقبله كذا وكذا أو يقول للذى ضاع له مال مالك ذهب به إنسان صفته كذا وكذا، ليس هؤلاء الأولياء، الأولياء هم المتبعون للرسول اتباعا كاملا هؤلاء هم الأولياء، أما الذى يتبع الرسول اتباعا غير كامل هذا ليس وليا، يقال له مسلم فقط، مسلم عاص، أما الأولياء فهم الذين أدوا الواجبات واجتنبوا المحرمات وزيادة على ذلك أكثروا من النوافل، وهؤلاء لهم عند الله درجات عالية فى الدنيا وفى الآخرة ففى الدنيا يعطيهم الله كرامات وفى الآخرة يعطيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يخصهم من بين من دخلوا الجنة من المسلمين بمواهب وعطايا لا يراها غيرهم.

هؤلاء يقال لهم الصالحون. إذ ليس الصالح مجرد إنسان يصلى ويصوم ويكون ملاطفا للناس شفيقا رحيما بالناس لا يؤذى هذا ولا هذا كما يقول كثير من الناس، إذا رأوا إنسانا يصلى ويصوم ولا يؤذى الناس يقولون فلان صالح، هذا غلط، الصالح هو الذى تعلم علم الدين الضرورى وعمل بما تعلم، أتى بالواجبات التى فرضها الله على العباد أن يعملوها فعملها وتجنب المحرمات التى تعلم فى دين الله تعالى أنها محرمات وزاد على ذلك أنه يكثر النوافل كصلاة الليل أو نوافل النهار وقيام الليل، أو يكثر من صيام النفل أو يكثر من قضاء حاجات الناس لوجه الله، يعتنى بخدمة الناس بخدمة المسلمين لوجه الله، من شدة الشفقة على الناس. وتظهر لهؤلاء الأولياء يوم القيامة قبل دخول الجنة مزايا، منها أن الله تعالى لا يسلط عليهم حر شمس يوم القيامة، فإن الشمس يوم القيامة تدنو إلى رؤوس الناس ولا تكون فى المركز الذى هى فيه اليوم، اليوم مركزها بعيد من رؤوسنا فما بيننا وبينها مسافة طويلة بعيدة، أما ذلك اليوم تقترب فيعرق هذا وهذا وهذا من شدة الحر ولا سيما الكفار، وبعض المسلمين يصير لهم عرق شديد لكن لا يصيب عرق هذا إلى الذى يليه ولا عرق هذا إلى هذا ولا عرق هذا إلى هذا كل على حسب عمله، عرق هذا يتكوم حوله. الكفار بعضهم عرقهم يغرقهم، يرتفع ويعلو فيعمهم ويغمرهم.

     فالأولياء والوليات فى ذلك الوقت يكونون فى ظل العرش حيث لا يوجد فيه أذى حر الشمس، يخصهم الله تعالى بهذه الرحمة من بين الناس، كذلك أناس دون الأولياء يحصل لهم يوم القيامة هذا، منهم الذين يسهلون على الناس الذين يقرضونهم، لهم ديون على الناس ولا يشددون عليهم، إما يسامحونهم، يتركون لهم، أو لا يشددون عليهم فى المطالبة فيقولون الآن أعطنى، لا يقولون هذا، بل يوسعون فى الأجل، يقولون للذين لهم ديون عليهم إذا تيسر لكم تعطوننا وأحيانا يعفونهم يقولون سامحناك، هؤلاء أيضا يظلهم الله يوم القيامة بظل العرش، فلا يصيبهم أذى الشمس، كذلك الذين يتحابون فى الله فالرجال والنساء الذين يتحابون فى الله أى ليس للمال يتحابون ولا للقرابة ولا لتآلف شكلى، إنما لأن هذا مؤمن يحب الله ورسوله وهذا مؤمن يحب الله ورسوله يتآلفان ويتحابان ثم يتصافان المحبة فلا يعاملون بعضهم بعضا بالغش والخيانة والمكر، بل الذى يحبه الواحد منهم لنفسه يحبه لأخيه وذاك مثل ذلك، يحب لهذا ما يحب لنفسه من الخير، هؤلاء لهم منابر من نور يوم القيامة لا يصيبهم أذى حر الشمس.

     نسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق فى ما يحب من العمل والحمد لله رب العالمين.

     وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.