الخميس يناير 29, 2026

جواز التوسل بالصالحين

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

     أما بعد فقد روينا فى جامع الترمذى رحمه الله من حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ مخاطبا ابن عباس «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذى.

     معنى الحديث أن الأولى بأن تسأله هو الله وهذا أمر لا شك فيه لأن الله تبارك وتعالى هو خالق الخير والشر وخالق المنفعة والمضرة، فإذا كان كذلك فلا يخفى أن الأولى بأن يسأل هو الله وأن الأولى بأن يستعان به هو الله.

     وبمعنى هذا الحديث الحديث الذى رويناه فى صحيح ابن حبان أنه ﷺ قال «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقى» هذا الحديث أيضا يدل على أن الأولى بالمصاحبة هو المؤمن، وكذلك الأولى بأن تطعم طعامك المسلم. وليس مراد الرسول ﷺ فى هذا الحديث أنه لا يجوز صحبة غير المؤمن، إنما مراده بيان أن الأولى فى المصاحبة هو المؤمن، وكذلك الجزء الثانى من هذا الحديث «ولا يأكل طعامك إلا تقى» مراد رسول الله ﷺ به أن الأولى بأن يطعم طعامك هو المسلم التقى، والتقى هو من قام بحقوق الله وحقوق العباد أى أدى الواجبات المتعلقة بالعبادات البدنية كالصلاة وصيام رمضان والزكاة والحج إلى غير ذلك وتجنب ما حرم الله، إذا أطعم المسلم المسلم العاصى الذى هو من أهل الكبائر جائز وفيه ثواب كذلك إذا أطعم المسلم الكافر من الكفار فذلك جائز وفيه ثواب، فالمحرفون لشريعة الله يوردون حديث عبد الله بن عباس هذا «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» لتحريم التوسل بالأنبياء والأولياء. أين فى هذا الحديث تحريم التوسل بالأنبياء والأولياء، هل قال الرسول لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله ما قال، أليس بين أن يقال لا تسأل غير الله وبين أن يقال إذا استعنت فاستعن بالله فرق، لكن هؤلاء الذين دأبهم تحريف شريعة الله والتمويه على الناس وزخرفة الباطل وإيهام الناس الأمر الجائز حراما أو شركا وكفرا، هم حرفوا معنى حديث عبد الله بن عباس، هذا دأبهم، إذا أرادوا أن يحرموا التوسل بالأنبياء والأولياء يذكرون هذا الحديث، هذا الحديث صحيح الإسناد إنما هم يحرفون معناه ليس فيه دلالة على ما يدعون، ليس فيه أدنى دلالة على تحريم التوسل بالأنبياء والأولياء، وكل مؤمن يعلم ويعتقد أن سؤال المؤمن ربه أفضل من أن يسأل غيره، كل مؤمن يعلم ذلك، يعلم أن سؤال الله تعالى أفضل من سؤال واحد من خلقه، كذلك كل مؤمن يعلم أن الاستعانة بالله خير وأفضل من الاستعانة بغير الله تعالى، لكن هؤلاء لا يوردون الحديث على هذا المعنى الذى هو مراد رسول الله إنما يوردونه لتحريم ما أحل الله، التوسل بالأنبياء والأولياء شىء قدم به الشرع، الله تبارك وتعالى أذن لنا أن نتوسل بالأنبياء والأولياء الأحياء والأموات ما حرم علينا.

     هناك حديث ضعيف يتشبثون به لتحريم الاستغاثة وتكفير المستغيث برسول الله وبسائر الأنبياء والأولياء، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد فى مسنده بإسناد فيه راو ضعيف عند أهل الحديث يقال له ابن لهيعة.

     فى هذا الحديث أن أبا بكر رضى الله عنه قال قوموا بنا إلى رسول الله نستغيث به من هذا المنافق فذهبوا فقالوا لرسول الله ﷺ فقال إنه لا يستغاث بى إنما يستغاث بالله عز وجل، هذا الحديث هم يتشبثون به لتكفير من يستغيث بالرسول أو بغيره من الأنبياء أو بولى من الأولياء أى يكفرون من يقول يا رسول الله أغثنى أو يا عبد القادر الجيلانى أغثنى ونحو ذلك من العبارات، يوردون هذا الحديث الضعيف الذى لا يحتج به لتكفير المستغيث، فإياكم أن تصدقوهم إن أوردوا لكم حديثا، فإما أن يكون ذلك الحديث ضعيفا وإما أن يكون ذلك الحديث صحيحا لكن هم يحرفون معناه، فكونوا على حذر منهم، وإياكم أن تتسرعوا لموافقتهم، هذا ليس له إسناد صحيح ومع هذا هم يوردونه لتكفير المستغيث برسول الله أى الذى يقول يا رسول الله أغثنا أو يا رسول الله أعنا أو يا رسول الله انقذنا من هذه الشدة ونحو ذلك من العبارات أو يا رسول الله هلكنا فأنقذنا وأغثنا، يريدون بإيرادهم لهذا الحديث الضعيف أن يكفروا المسلم الذى يستغيث برسول الله أو بغيره من أنبياء الله أو بولى من أولياء الله.

     هما الاستغاثة والتوسل معناهما واحد، إذا إنسان قال اللهم إنى أسألك بنبينا محمد أن تفرج كربتى أو أن تحل لى مشكلتى، هذا يقال له توسل بالرسول ويقال له استغاثة بالرسول، الاستغاثة والتوسل بمعنى واحد كما قال ذلك الحافظ الفقيه المحدث اللغوى النحوى المتكلم الأصولى الشافعى تقى الدين السبكى، هذا الإمام تقى الدين السبكى هو من علماء اللغة والنحو كما أنه محدث حافظ فى الحديث وفقيه شافعى من أهل الترجيح فى المذهب الشافعى، من الطبقة العليا بعد الشافعى، قال بعضهم هو مجتهد لكن لم يناد بالاجتهاد. وهناك أيضا أثر يتشبث هؤلاء به لتحريم التوسل بالنبى بعد وفاته، عندهم قاعدة ما أنزل الله بها من سلطان وهى قولهم لا يجوز التوسل إلا بالحى الحاضر، والذى وضع لهم هذه القاعدة هو ابن تيمية ولم يقله عالم مسلم قبل ذلك، ما قال قبل ابن تيمية أحد من علماء الإسلام، قال لا يجوز التوسل إلا بالحى الحاضر وهو يعنى بهذا أنك إن توسلت بنبى أو ولى بعد وفاته حرام بل شرك كفر، وإن توسلت بالنبى أو غيره من الأولياء فى غير مجلسه، هو فى بلد وأنت فى بلد أو أنت فى بيتك وهو فى مكانه، إذا توسلت به فى هذه الحال عنده أشركت وكفرت، وهؤلاء الذين هم فيما بين الناس اليوم أخذوا بتلك القاعدة التى ما أنزل الله بها من سلطان التى لم يقلها رسول الله ولا صاحب من أصحاب رسول الله ولا إمام مجتهد، أبو حنيفة أو مالك أو أحمد بن حنبل أو الشافعى أو غيره ما قالها أحد.

     هنا مسئلة ينبغى الانتباه لها وهى أنهم يفترون على أبى حنيفة يقولون أبو حنيفة قال لا يجوز أن يسأل الله تعالى بحق أحد، أن يقال أسألك بحق فلان، أبو حنيفة يحتمل أن يكون قال هذه الكلمة ويحتمل أنه لم يقلها، فإن قالها فقد فسرها جماعته بأن مراد أبى حنيفة لمنعه من هذه العبارة بحق فلان أن هذه الكلمة توهم حقا لازما لخلقه، والله تعالى ليس ملزما لأحد بشىء، الذين يعملون الحسنات المطيعون له من الأنبياء والأولياء فإنما أطاعوه لتمكين الله تبارك وتعالى لهم، الله خلق فيهم الإدراك والعلم وهو أعطاهم قوة الكلام وهو أعطاهم قوة المشى، كل ما يفعلونه من الحسنات فبفضل الله تعالى فمن أين يكون الله تعالى ملزما لأحد من خلقه، الله ليس ملزما لا للأنبياء ولا للأولياء ليس ملزما لأحد أن يعطيه شيئا، إنما هو متكرم متفضل، الثواب الذى يثيبه الطائعين من عباده الأنبياء والأولياء فضلا منه ليس هو ملزما أن يعطيهم لأنه هو خلقهم أوجدهم من العدم ثم هو خلق فيهم هذه الحركات والسكنات فإذا لمن الفضل، الفضل لله عليهم، ليس لهم على الله فضل، الأنبياء والأولياء والملائكة كلهم ليس لهم على الله فضل بل الله تبارك وتعالى هو المتفضل عليهم. الإمام أبو حنيفة إنما منع من قول أسألك بحق فلان لأن هذه الكلمة توهم أن الله تعالى ملزم لخلقه أن يعطيهم شيئا وهو ليس ملزما، هذا معلوم أن الله ليس ملزما أن يعطى أحدا من خلقه الثواب فى الآخرة، إنما هو متفضل على عباده الطائعين من الأنبياء والأولياء، أحد رؤوس الوهابية فى دمشق الشام قبل أكثر من عشرين سنة وكنا فى مجلس مناظرة معه، قال أما التوسل فقد كفانا المؤنة أبو حنيفة يعنى أبو حنيفة حرم التوسل فنحن اكتفينا بذلك، أبو حنيفة لم يحرم، إنما منع من هذه الكلمة فقط، ما قال لا يجوز التوسل بالأنبياء والأولياء فى غير حضورهم وفى غير حال حياتهم.

     ثم لو فرضنا أن أبا حنيفة قال هذا، فليس فى هذا حجة لأنه ورد الحديث الصحيح الذى يثبت لنا جواز أن نقول اللهم إنى أسألك بحق فلان، ورد حديث حسن الإسناد حسنه حافظان من حفاظ الحديث أحدهما الحافظ ابن حجر والآخر الحافظ أبو الحسن المقدسى وهذا الحديث هو أن الرسول ﷺ قال «من خرج إلى المسجد فقال اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا فإنى لم أخرج بطرا ولا رياء ولا سمعة» إلى ءاخره، وفيه أن الذى قال هذا وهو ذاهب إلى المسجد يستغفر له سبعون ألف ملك، هذا الحديث قال الحافظ ابن حجر عنه حسن كذلك الحافظ الآخر قال عنه حسن، لوجود هذا الحديث لو كان أبو حنيفة قال هذا الشىء للمعنى الذى هم يتوهمونه أو للمعنى الذى قاله جماعته ليس فيه دليل على تحريم أن يقول المتوسل فى توسله اللهم إنى أسألك بحق محمد أو بحق إبراهيم أو بحق أبى بكر أو بحق على بن أبى طالب ونحو ذلك، ما فيه دليل على تحريم ذلك، أنى يكون فيه دليل، إذا جاء الخبر انقطع النظر هكذا قال أهل العلم، معناه إذا جاء الحديث عن رسول الله ارتفع النظر يعنى القياس والاجتهاد بطل، مع وجود هذا الحديث نحن نقول ذلك الذى يروى عن أبى حنيفة ما فيه دليل، هذا الرجل الذى ذكرت لكم أنه من رؤوس الوهابية قال فى مناظرة من المناظرات فى دمشق أما التوسل فقد كفانا أبو حنيفة المؤنة، كلام لا طائل تحته بل هو هباء منثور.

     صلة الأرحام

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين.

     أما بعد اعلم رحمك الله أن قطيعة الرحم من الكبائر بالإجماع وهى من معاصى البدن وهى تحصل بإيحاش قلوب الأرحام وتنفيرها إما بترك الإحسان بالمال فى حال الحاجة النازلة بهم أو ترك الزيارة بلا عذر والعذر كأن يفقد ما كان يصلهم به من المال أو يجده لكنه يحتاجه لما هو أولى بصرفه فيه منهم.

     والمراد بالرحم الأقارب كالجدات والأجداد والخالات والعمات وأولادهم والأخوال والأعمام وأولادهم.

     قال رسول الله ﷺ «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من وصل رحمه إذا قطعت». رواه البخارى والترمذى وقال حديث حسن صحيح ورواه أبو داود وأحمد.

     ففى هذا الحديث إيذان بأن صلة الرجل رحمه التى لا تصله أفضل من صلته رحمه التى تصله لأن ذلك من حسن الخلق الذى حض الشرع عليه حضا بالغا

     وقطيعة الرحم تكون بـأن يؤذيهم أو لا يزورهم فتستوحش قلوبهم منه أو هم فقراء محتاجون وهو معه مال زائد عن حاجته ويستطيع مساعدتهم ومع ذلك يتركهم قال الله تعالى ﴿واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام أى واتقوا الأرحام أن تقطعوها وقال سبحانه وتعالى ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم.

     وروى الطبرانى والبزار أن رسول الله ﷺ قال «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».

     وروى البخارى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ «من أحب أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه» رواه البخارى ومسلم من حديث جبير بن مطعم رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ «لا يدخل الجنة قاطع» يعنى قاطع رحم أى لا يدخلها مع الأولين.

     واعلم أن رحمك إن كان بحيث تستطيع أن تزوره فلا بد أن تزوره ولا يكفى أن ترسل السلام إليه من غير أن تزوره، إنما لوقت من الزمن يكفى إرسال السلام له، أما أن يظل هو وإياه فى بلد واحد ثم لا يزوره فى السنة ولا فى السنتين ولا فى ثلاث سنوات مع إمكانه أن يزوره فهذا قطيعة الرحم.

     أما إن كان ذلك الرحم لا يحب دخول هذا القريب بيته ولا يرضى وكان هذا القريب يعلم أنه لا يرضى ليس عليه أن يدخل لأنه لا يرضى سقط عنه لكن بقى أن يرسل إليه السلام أو يرسل إليه مكتوبا.

     وأما إن كان رحمه هذا يحب دخوله بيته وقعوده عنده فلا يكفى إرسال السلام للمدة الطويلة أما للمدة القصيرة فيكفى، أما فى بيروت إذا زار القريب قريبه فى أحد العيدين لا يعتبر ذلك قطيعة لأنه فى بيروت إذا زار القريب قريبه مرة فى السنة وزاره فى الأفراح والأحزان لا يعتبرون ذلك قطيعة، هذا فى حال لم يكن للشخص عذر أما إن كان له عذر كأن كان فى بلد بعيدة ولا يسهل عليه أن يذهب لزيارة أقربائه لو غاب مثلا خمس سنين وهو يرسل لهم سلاما من وقت إلى وقت ما عليه شىء.

     ومن الأعذار فى عدم زيارة الرحم أن يكون سمع من قريبه هذا ردة كسب الله أو الأنبياء أو الملائكة أو الاستهزاء بالقرءان وما أشبه ذلك فإن هذا لا صلة له.

     وكذا يجوز له قطعه إن كان فاسقا يشرب الخمر أو يترك الصلاة أو يزنى وما أشبه ذلك ولكن هذا لا يقطعه إلا بعد إعلامه بالسبب ليزجره عن مثل هذه الأفعال.

     قال الله تعالى ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار [سورة الرعد]. 

     وروى البخارى من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه «من أحب أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه» قوله «وأن ينسأ له فى أثره» معناه أن يطول عمره من حيث المعنى، الذى يوفق للخيرات فى معنى كأنه زيد فى عمره.

     وأخرج القضاعى فى مسنده أن رسول الله ﷺ قال «صلة الرحم تزيد فى العمر» يعنى كان فى علم الله تعالى أنه لولا هذه الصلة كان عمره كذا ولكنه علم تعالى بعلمه الأزلى أنه يصل رحمه فيكون عمره أزيد من ذلك بمشيئة الله، فيكون المعلوم المحكوم أنه يصل رحمه ويعيش إلى هذه المدة.               

     وروى البيهقى فى كتاب القضاء والقدر من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ «من سره أن يمد الله فى عمره ويوسع له رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه».

     وقطيعة الرحم من أسباب تعجيل العذاب فى الدنيا قبل الآخرة فقد روى أحمد أن رسول الله ﷺ قال «ما من ذنب أجدر بأن يعجل لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما ينتظره فى الآخرة من البغى وقطيعة الرحم» والبغى معناه الاعتداء على الناس.