الزهد
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
وبعد يقول الله تبارك وتعالى فى القرءان الكريم ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [سورة البقرة].
أيها الأحبة المؤمنون إن التقوى والورع والترفع عن أكل الحرام من شيم عباد الله الصالحين فاتقوا الله حيثما كنتم واتقوا الله فى أنفسكم وأولادكم واتقوا الله فى مكسبكم ومأكلكم ومشربكم فإن هذه الدنيا لا تغنى عن الآخرة شيئا، والله تبارك وتعالى الفعال لما يريد جعل العباد على قسمين جعل قسما غنيا موسرا وقسما فقيرا والله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، هو الإله الواحد فهو الحاكم المطلق وهو الآمر المطلق وهو الناهى المطلق وهو الفعال لما يريد. خلق العباد على ما أراد، منهم الشقى ومنهم السعيد، منهم القوى ومنهم الضعيف، منهم الثرى ومنهم الفقير، تعالى الله عن أن يكون ظالما فهو الفعال لما يريد. وأما الذين ءاتاهم الله تعالى زينة الدنيا وزخرفها وكانوا مؤمنين واستعملوها فى طاعة ربهم فطوبى لهم وحسن مئاب. وأما الذين أوتوا نصيبا من الدنيا واستعملوها فى الشهوات المحرمات ولم يستعملوها فى الطاعات فهؤلاء انقلبت عليهم هذه النعم نقمة فى الآخرة فإن المرء يقال له يوم القيامة ألم نصح جسمك ونسقك من الماء البارد، حتى الماء البارد هذه النعمة العظيمة التى أنعم الله بها علينا يسأل المرء عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ففرعون الذى ءاتاه الله ملك مصر وقال هذه الأنهار تجرى من تحتى، رب العالمين أخبرنا حكاية عن موسى بن عمران أنه قال ﴿وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [سورة موسى].
فالله يعلم أن فرعون سيطغى وسيزداد تكبرا وتجبرا وظلما للعباد وأن المال والجاه والسلطة التى ءاتاه الله إياها لن يستعملها فى الطاعة أبدا ومع ذلك فقد ءاتاه الله هذا السلطان وهذا المال، لم، لأن الله فعال لما يريد. ترى وهل من شرط الزهد أن يكون المرء فقيرا، ترى وهل من شرط الزهد والورع والتمسك بالعبادات أن يكون المرء فقيرا، ليس شرطا ليكون المرء زاهدا عابدا ناسكا أن يكون فقيرا ليس له مال فقد قال رسول الله ﷺ «نعم المال الصالح للرجل الصالح» إذن رب العباد جعل العباد على قسمين جعل قسما منهم مؤمنين وقسما منهم كافرين، جعل العباد على قسمين قسما ثريا غنيا وقسما فقيرا، فالله تبارك وتعالى جعل الدنيا يشترك فى التنعم فيها المؤمنون والكافرون وأما نعيم الآخرة فهو خاص بالمؤمنين وهذا معنى حديث رسول الله ﷺ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
واليوم لا يخفى ما يعانيه المسلمون من شدة البلاء وتوالى النكبات والمصائب عليهم، ترى كيف كانت مواقف الصحابة أغنياء النفوس الذين أعزهم الله تعالى بالإسلام وكيف بذلوا المال وجاهدوا بالنفس مع رسول الله ﷺ وما أحوجنا اليوم لموقف كموقف أبى بكر الصديق رضى الله عنه الذى تبرع بأكثر ماله ليجهز جيش المسلمين ولم يبق لنفسه ولأهله إلا النزر القليل. هذا هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه رأس هذه الأمة المحمدية بعد رسول الله ﷺ كان غنيا ثريا وسع الله عليه بالمال ومع ذلك كان زاهدا عابدا ناسكا رقيق النفس، وكذلك عثمان بن عفان رضى الله عنه الذى جهز جيش العسرة بعشرة ءالاف دينار من الذهب وقدم كل قافلته التى كانت قادمة من بلاد الشام بأقتابها وأحلاسها وحمولتها، قدمها بين يدى رسول الله ﷺ حتى استهل وجهه فرحا بما فعل عثمان بن عفان الذى دعم موقف الإسلام والمسلمين بأن جهز جيش العسرة وقدم قافلته التجارية القادمة من بلاد الشام عام القحط للمسلمين، أولم يكن عثمان زاهدا مع كونه ثريا بالمال كان عابدا زاهدا ناسكا.
إذن فالزهد والورع ليسا متوقفين على الفقر والقلة، وليس كل فقير قليل المال ورعا، وإنما الورع والتقوى يكونان بالتزام الطاعات واجتناب المحرمات ومنها اجتناب أكل مال الحرام، فكما أن الغنى مطالب بالبذل والعطاء والسخاء إضافة إلى الواجبات كذلك الفقير مطالب بالزهد، مطالب بالقناعة، مطالب بأن يقنع بالمال الحلال مهما كان قليلا لا أن يتورط فى أكل مال الحرام ليتوسع وأهله وليتلذذ مع أهله بهذا المال الحرام ويظن أن ليس عليه من يراقبه، الزهد ليس متوقفا على الفقر والبذل والعطاء ليس مقصورا على الأغنياء. فليس كل الصحابة كانوا أغنياء بالمال وإنما كلهم كانوا أغنياء بالنفوس. فكما بذل أبو بكر الصديق رضى الله عنه ومن بعده عثمان كذلك فعل عبد الرحمٰن ابن عوف وغيره من أغنياء الصحابة رضوان الله عليهم، وأما أولئك الذين لم يكن لديهم مال ترى ماذا قدموا فى سبيل الله، ألم يكن خالد بن الوليد مثالا يحتذى لطالب الاستشهاد فى سبيل الله ولا يخفى كم هى النفس غالية أغلى من المال فمن لم يكن منهم ذا مال ضحى بنفسه ومن كان منهم ذا مال بذل وسخا بماله وبنفسه، هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم غنيهم وفقيرهم بالمال كانوا مثالا للزهد والورع وما أحوجنا اليوم ونحن فى عسرة أن تتحرك صناديق الأثرياء لإسعاف المنكوبين وأهل الضرورات وفى نفس الوقت أن يلتزم الفقراء باب القناعة والتقوى والورع والزهد بأن يقنعوا بالمال الحلال مهما كان قليلا. الله تبارك وتعالى فعال لما يريد.
اقتدوا بأبى بكر وعمر وعثمان وعلى، اقتدوا بعبد الرحمٰن بن عوف وخالد بن الوليد، أولئك الذين ضحوا بأنفسهم من أجل تحقيق مقاصد الإسلام ومن كان منكم ذا مال فلينفق من ماله والله تبارك وتعالى يقول فى القرءان الكريم ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [سورة البقرة].
وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.