ستر العيوب والتحذير الشرعى
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
أما بعد فقد روى بالإسناد المتصل الصحيح فى كتاب المستدرك للحاكم أن رسول الله ﷺ قال «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤودة من قبرها» هذا الحديث الصحيح يخبرنا بأن من رأى عورة لمسلم فسترها أى لم يبثها بين الناس بل أخفاها فله أجر شبيه بأجر من أحيا موؤودة أى أنقذ بنتا مولودة دفنت وهى حية كما كان جاهلية العرب يفعلون، فأنقذها قبل أن تموت.
هذا له أجر عظيم، وهذا الأمر كان فى جاهلية العرب أى قبل أن يبعث رسول الله ﷺ بمدة، كان هذا الشىء معروفا عند العرب لكن عمر بن الخطاب ما فعل هذا، هذا كذب مفترى عليه أنه كان قبل أن يسلم وأد بنتا له، إنما بعض الناس فعلوا حتى بعض أصحاب رسول الله كان فيهم رجل معروف بالكرم والحلم، لكن حدثت له حادثة ففعل هذا، ثم بعد أن أسلم عمل حسنات كثيرة حتى تنغمر تلك المعصية التى فعلها قبل أن يسلم من وأد بنات له، هذا الرجل سبب إقدامه على دفن بنات له ثمان أنه كانت أغارت قبيلة من العرب على قبيلته فسبت له بنتا، ثم حصل صلح بين القبيلتين فهذه البنت كان واحد من تلك القبيلة التى أسرتها مال إليها تعلق بها وهى تعلقت به فخيرت وقيل لها ترجعين إلى أبيك أم تبقين هنا مع هذا الرجل، قالت أنا أختار هذا الرجل، اختارت على أبيها هذا الرجل مع أن أباها وجيه فى قومه وكريم وسخى وحليم ومعروف بالذكر الحسن عند الناس، هنا غضب قال كيف تفضل على هذا الشخص فحلف أنه إن جاءته بنات بعد هذا يدفنهن وهن حيات فدفن بعد ذلك ثمان بنات وهن حيات، كلما ولدت له واحدة يدفنها إلى أن كمل عدد ثمان، ثم بعد أن أسلم ندم على ما فعل ندامة شديدة فقال لرسول الله يا رسول الله ماذا أفعل أنا وأدت ثمان بنات فماذا أفعل، قال له أعتق رقابا أى أناسا مملوكين حررهم، قال أنا صاحب إبل، معناه عندى إبل كثير أما الرقيق ما عندى رقيق، فتصدق بنحو مائة إبل حتى يغطى ما سبق له من وأد بناته الثمان، والله تبارك وتعالى ذكر فى القرءان الكريم تقبيح وأد البنات. قال تبارك وتعالى ﴿وإذا الموؤودة سئلت بأى ذنب قتلت﴾ [سورة التكوير] هذا فعل شنيع من أشنع الجرائم.
الحاصل أن الرسول ﷺ شبه هذا الذى يرى عورة لمسلم أى ما يعاب عليه ويستحى منه أن يطلع عليه الناس إن رءاها فسترها بأجر هذا الإنسان الذى رأى موؤودة فأنقذها قبل أن تموت بالتراب وفى ذلك أجر عظيم كذلك هذا فيه أجر عظيم الذى يرى عورة على مسلم فيسترها ثم هناك قصة تشبه هذه حصلت فى خلافة عمر حيث جاء رجل إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضى الله عنه قال له يا أمير المؤمنين إنى كنت وأدت بنتا لى فى الجاهلية ثم أخرجتها قبل أن تموت ثم أدركنا الإسلام فأسلمت ونحن أسلمنا ثم ارتكبت حدا من حدود الله معناه زنت قبل أن تتزوج فأخذت شفرة لتذبح نفسها أى من عظم ما وقعت فيه من الفضيحة، أخذت شفرة لتنتحر فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها فداويناها ثم تابت توبة حسنة ثم خطبت إلينا من قوم فأخبرت ببعض ما جرى لها، على زعمه لئلا يغشهم، قال لهم بنتى هذه كان سبق لها كذا وكذا حتى يقدموا على إتمام خطبتها أو يفسخوا أو يتركوها، على زعمه أنه ينصح الذى يخطبها لأن بنته سبق لها كذا مما هو عار وعيب فقال عمر أنت تبث ما ستره الله تعالى لئن أخبرت بذلك أحدا لأجعلنك نكالا يتحدث به أهل الأمصار معناه لئن عدت بعد هذا إلى إفشاء هذه العورة التى سبقت لابنتك أن تحدثت بها بعد هذا لأجعلنك نكالا أى عبرة للناس بعقوبة أنزلها بك يتحدث بها أهل الأمصار أى أهل المدن، هذه الحادثة يؤخذ منها حكمان شرعيان، يؤخذ منها أن الإنسان بعد أن يتوب لا يجوز ذكره بالعار والعيب الذى سبق له، المسلم إذا سبق له عار مهما كان ذلك العار ومهما كانت تلك العورة لا يجوز أن تفشى بعد أن يتوب ذلك المسلم أو المسلمة، حتى فى مثل هذه الحالة، مثلا بعد أن تاب ذلك الشخص المسلم أراد إنسان مصاهرته لا يجوز أن نكشف ذلك العيب الذى سبق.
يؤخذ من هذه القصة أن هذه البنت لو لم تكن تابت كان حقا على أبيها إذا خطبت إليه أن يتكلم فيها مع أنه أبوها، وإن سكت هو وغيره ممن علم بالحادثة يكونون غاشين، الأب يكون غاشا ومن علم بذلك ممن سواه من أهلها أو غير أهلها يكونون غاشين، لو لم تكن البنت تابت لكان غشا، فلو كانت البنت بقيت على حالها لم تتب ثم خطبت ثم هو أخبر بشأنها، بما جرى لها عمر لا يوبخه، لولا أنها تابت ما وبخه إنما وبخه لأنها تابت.
التحذير من الشخص الغشاش أو الخائن الذى لم يتب من ذلك ليس محرما بل هو واجب.
هذا فيما يتعلق بالأمر الذى لا يتعدى إلى الغير، أما الإنسان الذى يغش الناس فى تجارته أو تدريسه لعلم الدين أو لعلم الدنيا أو غير ذلك من سائر فنون المعاملات، الذى يغش فى ذلك واجب كشفه ولا يجوز ستره، كالذى يبيع البضائع التى فيها عيب من غير أن يبين عيبها، هذا فرض على من علم بحال هذا التاجر أن يحذر الناس منه، كذلك إذا وجد إنسانا يعمل عند شخص وهو خائن، الشخص الذى يعرف منه الخيانة يجب عليه أن يحذر صاحب العمل، يقول له فلان كذا، هذا فرض، هذا لا يطلب ستره، هذا كشفه مطلوب لأن النصيحة تقتضى كشفه، كذلك إذا إنسان أراد أن يصادق إنسانا فالمسلم الذى يعلم من هذا الإنسان الذى يريد أن يصادقه ضررا وغشا وخيانة يجب عليه أن يكشفه ويحذر منه، يقول له لا تصادق فلانا فإنه لا يصلح للمصادقة وإن كان لا يكتفى بهذا القدر إلا أن يكشف له ما هو السبب الذى يجعله غير صالح للمصادقة يبين له يقول له فعل كذا فعل كذا حتى يهجره، ثم بعد ذلك إن ظل على مصادقته فوباله عليه، أما ذلك الشخص برأ نفسه، وهذا الكلام فى أمر المسلمين أما الكافر فلا غيبة له.
إذا رأيتم واحدا يريد أن يصادق واحدا وأنتم تعلمون فى ذلك الشخص أنه خبيث فرض عليكم أن تحذروا هذا الإنسان منه.
الرسول ﷺ قال لشخص خطب فأساء الخطبة قال له «بئس الخطيب أنت» رواه أحمد فى مسنده، وذلك لأنه قال كلمات خالف فيها الشرع، هو ما سب الرسول ولا انتقصه بل على زعمه كان يعظم الرسول تعظيما بالغا لكن الرسول بعثه الله تعالى لبيان الحق والباطل، ما سكت له قال له «بئس الخطيب أنت».
والقول الذى قاله ذلك الرجل فأغضب الرسول، قال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى الرسول انتقده لقوله ومن يعصهما، ما قال ومن يعصى الله ورسوله بل قال ومن يعصهما جمع فى لفظ واحد على هذا الوجه [لأنه بهذا اللفظ فى هذا السياق قد يوهم التسوية]، وإن كان مراد الشخص تعظيم الرسول لكنه فعل فعلا لا يوافق شرع الله تعالى لأنه قال ومن يعصهما فقد غوى.
فلذلك يجب التحذير من هؤلاء الذين يحرفون دين الله عملا بقول رسول الله ﷺ «الدين النصيحة».