التمسك بالعقيدة الحقة
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
وبعد فإن عقيدة أهل الحق أهمها أمران
أحدهما اعتقاد أن الله موجود لا يشبه شيئا، ليس كشىء من العالم لا يشبه العالم اللطيف ولا العالم الكثيف. العالم الكثيف كالإنسان والحجر والشجر مما يضبط باليد أى يجس باليد، واللطيف ما لا يضبط باليد أى لا يجس باليد. الله لا يشبه هذا ولا يشبه هذا، ليس متحيزا فى مكان وجهة كالإنسان وسائر الأجسام لأن الجسم لا بد له من جهة ومكان، الله تعالى ليس كذلك، لا يتحيز فى جهة ومكان، كان قبل المكان والجهة بلا مكان ولا جهة، ثم خلق المكان والجهات الست فهو ليس متحيزا فى الجهات والمكان.
لا يجوز أن يقال الله فى مكان كالعرش ولا يجوز أن يقال الله فى كل مكان.
ولا يتصف الله بصفات الأجسام لأن الأجسام من صفاتها الحركة والسكون، بعض الخلق متحرك دائما كالنجوم وبعض الخلق ساكن دائما كالعرش والسموات السبع وبعض الخلق ساكن مرة ومتحرك مرة أخرى، الله ليس هكذا لا هو متحرك ولا هو ساكن.
كذلك اللون من صفات الخلق، البياض والسواد ونحو ذلك، كذلك التغير صفة من صفات خلقه فلا يجوز على الله التحول من حال إلى حال.
قدرته سبحانه ليست كقدرتنا، قدرتنا تزيد وتنقص أما قدرته سبحانه أزلية أبدية لا تزيد ولا تنقص، وعلمه أزلى أبدى لا يزيد ولا ينقص، وكلامه الذى ليس حرفا ولا صوتا لا يزيد ولا ينقص، كلامه ليس ككلامنا، نحن نتكلم فننطق بحرف وصوت لذلك يكون كلامنا متجزئا يحصل شىء منه ثم ينتهى ثم يحصل شىء ثم ينتهى، أما كلام الله الذى هو متكلم به ليس هكذا لأنه ليس حرفا وصوتا.
فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن الله قرأ القرءان بالحرف والصوت، إنما جبريل قرأه، أخذه من اللوح المحفوظ بأمر الله فقرأه على سيدنا محمد، فمن اعتقد أن الله قرأ القرءان بالحرف والصوت فهو جاهل بالله، عقيدته فاسدة لأنه شبه الله بخلقه.
هؤلاء الذين يعتقدون أن الله قرأ القرءان على جبريل، وجبريل قرأه على محمد، جعلوا الله مثل خلقه، حتى الحرف والصوت وكل اللغات ما كانت موجودة قبل أن يخلقها الله، والله تعالى كان متكلما قبل وجود الحرف والصوت. ولا يزال متكلما إلى ما لا نهاية له، كلامه ليس شيئا يتقطع، وعلمه ليس شيئا يتقطع، وقدرته ومشيئته وكل صفاته ليس أشياء متقطعة. ومشيئته لا تتغير، مشيئة الله واحدة شاملة لكل ما يدخل فى الوجود. لا يشاء وجود شىء ثم يغير إلى مشيئة أخرى كخلقه، نحن نشاء فى نفوسنا وجود شىء ثم تتغير مشيئتنا فنشاء عدم وجوده، نشاء أن لا يكون بعد أن كنا نشاء أن يكون، تتغير مشيئتنا فنشاء أن لا يكون ذلك الشىء، أما مشيئة الله ليست كذلك.
فمن عرف الله على هذا الوجه فهو عارف بالله، أما من لم يعرفه على هذا الوجه فهو غير عارف بالله كما قال سيدنا على من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود أى من اعتقد أن الله له حجم ما عرف خالقه.
معنى كلام سيدنا على أن الله ليس محدودا أى ليس حجما صغيرا ولا كبيرا، فمن اعتقد أن الله حجم كبير أو صغير أو بين الكبر والصغر هذا ما عرف الله. أما معنى الله أكبر أى الله أقوى من كل قادر وأعلم من كل عالم، ليس معناه أن الله شىء ضخم أخذ مساحة كبيرة لأن الله هو خلق الحجم الصغير كحبة الخردل وخلق ما هو أكبر منها بقليل كحبة سمسم وما هو أكبر منها بقليل كحبة قمح… ثم هكذا إلى العرش وهو أكبر المخلوقات حجما.
ما أجهل هؤلاء الذين يظنون أن الله شىء له حجم، لو كان له حجم لاحتاج إلى خالق خلقه على ذلك الحجم.
الشمس خلقها الله على هذا الحجم، جعل شكلها مستديرا ولونها بياضا وجعل صفتها الحرارة، كل شىء له حجم لا يكون إلها، والإله ليس حجما كثيفا ولا حجما لطيفا ولا متصفا بصفات الحجم اللطيف والكثيف.
ثم الأمر الثانى من أمور العقيدة الذى هو أهم الأمور اعتقاد أن الله هو خالق كل شىء، لا شىء يدخل فى الوجود من الحجم والحركات والسكنات حركات العباد وسكناتهم والنظرات والكلام والمشى والتفكير إلا بخلق الله، الله يخلقه فى عباده، إن نطقنا فالله خالق هذا النطق لسنا نحن خلقناه، وإن نظرنا إلى شىء فالله هو الذى يخلق هذا النظر، وإن تفكرنا فى شىء فالله هو الذى يخلق هذا التفكير، وهكذا كل أفعال العباد، فمن اعتقد أن غير الله يخلق شيئا من الحركات أو السكنات أو التفكير أو المحبة أو البغض أو الفرح أو الحزن فهو مشرك كافر أشرك بالله الذى خلقه.
كما أن الله خلق أجسامنا، هو الذى يخلق نطقنا وحركاتنا وسكناتنا وكل شىء نفعله.
هاتان المسألتان أهم مسائل العقيدة، ثم بعد هاتين المسألتين المسائل الأخرى من أركان الإيمان من جملة المهمات لكن ليست كهاتين المسألتين، البعض يقولون والعياذ بالله الله يخلق الأجسام وحركات النائم والحركات التى تحصل بلا إرادة منا، أما الحركات التى نعملها بإرادتنا كالنطق والنظر والمشى والتفكير يقولون نحن نخلقه، هؤلاء كفار مشركون لأن الخلق بمعنى إبراز المعدوم من العدم إلى الوجود خاص بالله فمن جعل هذا لغير الله أشرك بالله، وكذلك الذى يعتقد فى الله أنه متحيز فى مكان أو أنه حجم كبير أو أنه حجم كحجم البشر هذا ما عرف الله، كفره من جهله بالله. أما ما بعد هذا كالإيمان بالملائكة والإيمان بالكتب السماوية والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر ليس بدرجة هاتين المسألتين.
من عرف سيدنا محمدا واعتقد أن الله هو الموجود الذى لا يستحق أن يعبد غيره صار مسلما مؤمنا، يكفى لأصل الإيمان هذا، من عرف الله تعالى كما يجب واعتقد أنه لا يستحق أن يعبد إلا هو واعتقد أنه لا يخلق شيئا من الأشياء إلا الله وءامن بسيدنا محمد أنه رسول الله فهو مسلم مؤمن لو لم يؤد الفرائض، لو لم يخطر له أمر الملائكة، لو لم يخطر له أمر الآخرة إنما استحضر فى قلبه معرفة الله ومعرفة الرسول ولم يعتقد أن ما سوى الله يخلق شيئا من الأشياء، هذا يقال له مؤمن مسلم.
لكن لا يكون مؤمنا كاملا حتى يؤدى الفرائض كلها ويجتنب المحرمات كلها ويتعلم علم الدين الضرورى ويعمل بذلك، عندئذ يكون مسلما كاملا وليا، يكون من الذين لا خوف عليها ولا هم يحزنون.
وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.