صرف المال فى الضرورات
قال الإمام الهررى رضى الله عنه عليكم بالقناعة بالقليل من الرزق فإن القناعة باليسير من الرزق سلامة الدين والدنيا، وعليكم بإكثار ذكر الموت فإنه يساعد على القناعة باليسير من الرزق والاستعداد للآخرة وإيثار الآخرة على الدنيا. إياكم والتمادى على الخروج إلى الصيد فى فترات متقاربة كما اعتيد عندكم فإنه ثبت فى الحديث أن اتباع الصيد يسبب الغفلة فى القلوب، والغفلة هى سبب المعاصى والمكروهات. واجعلوا ما يصرف لذلك ولكثير من المشتهيات كشرب السيجارة الجدير بكم أن تصرفوه فيما هو من الضروريات كالقيام بنشر عقيدة أهل السنة والأحكام الضرورية التى أعرض اليوم الأغنياء وأهل المقدرة عن القيام بها وأنتم تعلمون ذلك وهل هناك أغنياء يقومون بها، فلمن تتركونها، فالواجب عليكم أن تسعوا لذلك بقدر جهدكم لا فوق الجهد قال الله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [سورة البقرة]. هذا وإن الكثير من موظفى الجمعية يكتفون بالقليل، مرتباتهم لا تفى ما يصرفه الناس عادة لنفقاتهم ءاثروا العمل فى الجمعية بذلك القليل رغبة فى الآخرة حتى إن منهم من لا يوقد فى بيتهم للطبخ مدة بل يقتصرون على اللبن ونحوه من القلة. وقد سبق لبعض أفراد الجمعية أن ذهب إلى كندا فعمل عملا فجمع من غلته فرجع إلى لبنان ليشترى مسكنا فرأى حاجة الجمعية فآثر الآخرة فقال أنا شاب سأتبرع وأكتسب غلة أخرى لأجل معيشته فدفع هذا للجمعية. فالتسابق فى مثل هذا يكون مرغوبا.
وقال رضى الله عنه ولنقتد بالصحابة رضوان الله عليهم فإنهم لو كانوا على مثل حالنا اليوم من تتبع الراحات وتكثير المال ما انتشر الإسلام إلى الشرق والغرب وكان الإسلام مقتصرا على الحجاز والجزيرة العربية.
وقال رضى الله عنه ترك التنعم خير عند الله لأن التنعم إذا التزمه الشخص لا يواسى غيره من المحتاجين لأنه يسعى للمحافظة على ما هو عليه من التنعم. ثم من يلازم التنعم يخشى عليه إذا قل ماله أن يمد يده إلى الحرام لئلا يفوته ذلك التنعم لذلك الرسول لما وجه معاذ بن جبل إلى جهة ليدعو إلى الدين قال له »إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين«. فإن عباد الله أى الأتقياء الزاهدين لا يتنعمون حتى لو كان الواحد فى بادئ أمره عاش فى تنعم كعمر بن عبد العزيز كان فى رفاهية ثم لما استلم الخلافة ترك التنعم وصار من الزاهدين الصالحين، كان لا يغير ثيابه حتى تتسخ من شدة شغله وانشغاله بمراعاة أحوال المحتاجين.
إنما الأمر المطلوب هو مراعاة نظافة البدن ومراعاة نظافة الثياب ثم الرجل إذا جمع المال الكثير من الحلال بنية أن ينفع المحتاجين ويعمل به العمل الذين ينفعه فى الآخرة فهذا مرغوب فيه وكذلك إذا إنسان جمع المال لأولاده إلى حد أنهم لا يحتاجون بعد وفاته للتعرض للناس من الفاقة فهذا مطلوب. أما أن يترك لهم ملايين الدولارات وهو يعلم أنه بين المسلمين ما هو بحاجة فهذا أمر لا يحبه الله. ليترك لأولاده قدر ما يحفظهم من الفقر والفاقة بحيث لا يحتاجون إلى الاستعطاء من الناس. أما إن ترك لهم الملايين هذا شىء لا يحبه الله لأنه لا بد أنه يوجد بين المسلمين من هم أهل الفاقة والأرامل والأيتام، نظره لهذه الجهة خير له من أن يمتع أولاده بهذه الملايين.
ثم كثير من الأولاد يطلعون فاسقين، إذا مات والدهم لا يستغفرون له.
الأولاد مطلوب على الدوام أن يترحموا على والدهم ووالدتهم ويستغفروا لهما كما قال تعالى ﴿وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا﴾ [سورة الإسراء]. قليل اليوم من إذا فرغ من عمله بالنهار يذكر أن يستغفر لأهل البرزخ من أهله ويترحم عليهم. أكثرهم اليوم إذا انتهوا من أعمالهم يشتغلون بالتلفزيون بدلا من أن يشتغلوا بما ينفعهم لآخرتهم. وأما لو ترك الوالد لولده ما يشترى به بيتا فلا بأس بذلك، فلو ترك الوالد لكل ولد مائتى ألف دولار فلا بأس بذلك لأن هذا يمنعه للولد من الطمع فى الناس، يكفى لشراء بيت وعمل مهنة تكفيه، أما لو ترك للولد الواحد عدة ملايين فهذا لا خير فيه. ليس أمرا مرغوبا فيه شرعا ولكنه ليس حراما لكن إن علم من هم من المسلمين فى حال الضرورة وخزن هذا المال الكثير بنية أن ينتفع به أولاده لا يجوز له.
وقال رضى الله عنه إذا لم يكن بيت المال يكفى حاجات أهل الضرورة، الأغنياء فرض عليهم أن ينقذوا أهل الضرورة الذين هم فى فقر شديد. قال تعالى ﴿والذين فى أموالهم حق معلوم﴾ [سورة المعارج].
ليس الفرض الزكاة فقط، أما إذا كان لا يوجد أهل الضرورات فمن دفع الزكاة واقتصر عليها ليس عليه إثم. حتى لو كان أهل الضرورة فى ناحية بعيدة عنه وعلم بهم يجب عليه مساعدتهم ببيت المال لو كان يقوم بذلك.
الآن من الضرورة تزويج هؤلاء الذين بلغوا الثلاثين أو خمسا وعشرين ولم يتمكنوا من الزواج، وتأمين نفقات الزواج مع حاجتهم للزواج، لو كان فينا خليفة من بيت المال كان يزوجهم لأن هذا من الضرورات.
فى بلاد العجم رجل يقال له طلحة بن عبد الله بن خلف كان حاكما عدلا كريما فى إيران، كان زوج مائة رجل وكفاهم مؤنهم من ماله. من شدة ما أحبوه سموه طلحة الطلحات لأن قبله كان خمسة اسمهم طلحة كرماء. طلحة بن عبيد الله صاحب رسول الله كان كريما للغاية، معروف بالكرم. طلحة الطلحات يعنى مبرز بين الطلحات.
وقال رضى الله عنه علم الدين هو الأساس فى مكافحة هؤلاء الوهابية وغيرهم من أهل الضلال والمال يساعد على ذلك.
لكن من حيث المال، الأغنياء الجهل هو الذى أسكتهم، لو كان عندهم تمييز بين الحق والباطل كانوا هم ساعدوا أهل الحق ليضعف أولئك لكن الأساس هو العلم. فى سوريا يوجد أغنياء أسخياء لبناء الجامع ومساعدة المعاهد يبذلون المال الكثير لكن معهم جهل، تلك الضلالات بعد موجودة فيهم والمشايخ الذين فيهم لا يظهرون للناس الحق كما يجب بل يسكتون عن التحذير من هؤلاء الضالين فيداهن بعضهم بعضا.
وقال رضى الله عنه إنى أدعوكم إلى أداء فرض من أهم الفروض الدينية وهو إنشاء مدرسة، والتقاعس عن المساعدة فى هذا الأمر معصية كبيرة فيجب على الكل أن يدفع من المال ما يزيد عن حاجاته الأصلية ولا يدخر من المال شيئا مما يزيد على ذلك، أجيبوا رحمكم الله، وفقكم الله ولا تتوانوا، إن التوانى يقوى أهل الضلال وأذكركم القاعدة الفقهية من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور فالعمل بالفرض يقرب إلى الله أكثر من العمل بالنوافل فعليكم بتقديم الفرض على النفل.
واعلموا أن نشر علم أهل السنة بمكافحة الضلال المنتشر اليوم عند من يدعون أنهم دعاة إلى الدين من أهم الفروض فعليكم أن لا تتكاسلوا بالعمل فى ذلك وأن لا تبخلوا عن المساعدة بأموالكم التى تزيد عن حاجاتكم الأصلية ولا يمنعكم عن ذلك المصاريف للزوائد كتجميل أثاث البيت، ما يصرفه الواحد منكم للدعوة أفضل من حج النفل وقد نصحناكم وإلى الله المصير فليحاسب أحدكم نفسه قبل أن يحاسب.