الدرس الثامن والأربعون
أحكام صيام رمضان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه أجمعين.
أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة البقرة ﴿يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ وقال رسول الله ﷺ من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه اهـ رواه البخارى.
الصيام كغيره من العبادات له فرائض وشروط ومبطلات يجب على الصائم أن يتعلمها حتى يكون صيامه صحيحا مقبولا عند الله سبحانه وتعالى.
فرض صوم رمضان فى السنة الثانية للهجرة وقد صام رسول الله ﷺ تسع سنوات توفى بعدها. وهو فرض معلوم من الدين بالضرورة أى أنه ظاهر بين المسلمين يعلمه الجاهل والعالم فمن جحد فرضيته أى أنكر وجوب صيام شهر رمضان فهو كافر وأما من أفطر فى رمضان لغير عذر شرعى وهو يعتقد وجوبه عليه فلا يكفر بل يكون عاصيا فاسقا من أهل الكبائر يستحق العذاب الشديد فى النار.
والصيام ثابت بالقرءان الكريم والسنة المطهرة قال تعالى فى سورة البقرة ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وقال رسول الله ﷺ بنى الإسلام على خمس وعد منها الصيام بقوله وصوم رمضان اهـ رواه الشيخان. ولذلك أجمعت الأمة على وجوبه فى رمضان.
وهو واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصيام غير الحائض والنفساء والمريض والشيخ الهرم والمرأة العجوز الذين يعجزون عنه، فلا يصح الصيام من الكافر الأصلى ولا من المرتد وهو الذى كان مسلما وخرج من الإسلام، ولا يصح من حائض ولا نفساء، ولو صامتا حال وجود الدم فعليهما إثم وعليهما القضاء ولا يجب الصيام على الصبى أى غير البالغ ولكن إذا أكمل عشر سنين قمرية من العمر يجب على ولى أمره أن يضربه على تركه الصيام إذا كان مطيقا له. ولا يجب على المريض الذى يشق عليه الصوم ولا على المسافر سفرا طويلا وعليهما القضاء ولو صام المريض والمسافر صح منهما وإذا ضرهما حرم عليهما، ولا يجب الصيام على العجوز الفانى مخافة التلف والموت.
ومن فرائض الصوم خمسة أشياء فالأول النية ومحلها القلب فلا يشترط النطق بها باللسان وهى واجبة لكل يوم من رمضان فى ليلته [روى البيهقى فى السنن الكبرى باب ما عليه فى كل ليلة من نية الصيام للغد أن رسول الله ﷺ قال من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له] ولا يصح الصيام بدون النية فيقول بقلبه مثلا أصوم يوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى. وكذلك يجب على الحائض والنفساء إذا انقطع الدم ليلة الصيام أن تنوى صيام يوم غد من رمضان وإن لم تغتسل.
والثانى الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن الأكل والشرب وعن إدخال كل ما له حجم ولو كان هذا الشىء صغيرا إلى الرأس أو البطن أو الأمعاء ونحوها من منفذ مفتوح كالفم والأنف أو القبل والدبر فإنه يفطر بذلك. وأما من أكل أو شرب ناسيا ولو كان ما أكله أو شربه كثيرا فلا يفطر لقوله ﷺ إذا نسى أحدكم وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه اهـ رواه البخارى.
ويجب على الصائم الإمساك عن الجماع وإخراج المنى بالاستمناء والمباشرة فإنه مفطر أما إن كان خروجه بسبب النظر أو الفكر فهو غير مفطر.
وكذلك يجب على المسلم الثبوت فى الإسلام على الدوام فى رمضان وغيره وذلك بتجنب الوقوع فى الكفر بأنواعه الثلاثة الكفر الاعتقادى كمن يعتقد أن الله جسم أو ضوء أو روح أو ينكر فرضية الصلاة والصيام أو يستحل شرب الخمر، والكفر الفعلى كرمى المصحف فى القاذورات، والكفر القولى كسب الله أو نبى من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو الاستهزاء بالصلاة أو الصيام أو أحكام الدين فمن وقع فى أى نوع من هذه الأنواع بطل صومه وعليه العود فورا إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين ويلزمه الإمساك بقية النهار ثم قضاء هذا اليوم بعد رمضان.
ومما يستحب للصائم تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس لقوله ﷺ لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر اهـ رواه البخارى. فإذا أفطر الصائم استحب له أن يقول اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت [رواه البيهقى فى السنن الكبرى]. ويستحب له أيضا تأخير السحور إلى ءاخر الليل وقبل الفجر ولو بجرعة ماء.
ويتأكد فى حق الصائم صون لسانه عن الغيبة والنميمة والكلام البذىء وغير ذلك من الأمور المحرمة وإن سبه مسلم أو قاتله فليقل كما علمنا رسول الله ﷺ فى ما رواه البخارى عنه ﷺ أنه قال الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إنى صائم إنى صائم اهـ [رواه البخارى فى باب فضل الصوم ومالك فى الموطإ] فإن بعض الكبائر تذهب ثواب صيام اليوم الذى وقعت فيه، فالذى لا يتورع عن النميمة والغيبة والشتم بغير حق وشهادة الزور فى خلال صومه فقد أذهب ثواب صيام يومه.
وليعلم أن الصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى أهون من الصبر على عذابه فلا يتهاون المسلم فى أداء هذه الفريضة بل ليكن شهر رمضان محطة للتزود بصالح الأعمال فإن خير الزاد التقوى.