الدرس السادس والأربعون
بيان التفصيل فى البدعة (2)
أما بعد فما أحدث على خلاف الكتاب والحديث والإجماع فهو بدعة ضلالة. وأما ما أحدث ولم يكن مخالفا للكتاب ولا للسنة ولا للإجماع ولا للأثر فهذه بدعة هدى. هذا التعريف من عرفه عرف معنى البدعة التى قال عنها رسول الله ﷺ فإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة اهـ [رواه أبو داود فى سننه] من عرف هذا التفسير الذى هو للإمام الشافعى رضى الله عنه عرف معنى البدعة التى ذمها رسول الله ﷺ وعرف البدعة التى لم يعنها رسول الله ﷺ بهذا الحديث بل عرف أيضا معنى الحديث الآخر حديث جرير بن عبد الله البجلى من سن فى الإسلام سنة حسنة فإن كلا الحديثين صحيح فإذا صح حديثان وكان بينهما بحسب الظاهر تعارض فعلماء الحديث وعلماء الأصول يقولون يجمع بينهما أى يوفق بينهما كما وفق علماء السنة بين حديث العرباض بن سارية الذى فيه فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وبين حديث جرير بن عبد الله من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى ءاخره. التوفيق بين هذين الحديثين الصحيحين حق واجب. وأما التشبت بظاهر حديث العرباض بن سارية الذى فيه وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، التشبت بظاهر هذا الحديث وإلغاء الحديث الآخر فذلك مخالف لطريق المحدثين وطريق الأصوليين وهو عمل مردود لا يلتفت إليه فكثير من الناس جاءتهم مصيبتهم من جهلهم بالتوفيق والجمع بين الحديثين فيتركون الجمع بين الحديثين اللذين هما متعارضان بحسب الظاهر ويأخذون بأحدهما ويتركون الآخر ويلغونه مع كون كل من الحديثين صحيحا ثابتا. حتى لو كان أحدهما فى مرتبة الصحيح والآخر فى مرتبة الحسن يلزم التوفيق بينهما والجمع. فعليكم بهذا التعريف الذى قاله الإمام الشافعى رضى الله عنه وقبله غيره من العلماء الذين جاؤوا بعده كالبيهقى والحافظ ابن حجر وغيرهما، أما ما عرف به البدعة كتاب يسمى الاعتصام للشاطبى المالكى فإنه لا يعطى الحقيقة بل يورث مطالعه ارتباكا يؤدى به إلى التباس الأمر ويطيل النفس فى هذا الأمر بما لا طائل تحته ولذلك أوهم كثيرا من الناس خلاف المعنى المقصود وشوش أفكارهم.
ثم إن هذا التقسيم الذى أتى به الإمام الشافعى رضى الله عنه له دليل، يشهد له حديثان من أحاديث النبى ﷺ أحدهما حديث من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اهـ هذا رواه البخارى، ولمسلم رواية ثانية لهذا الحديث وهى من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اهـ هذان الحديثان وهما فى المعنى حديث واحد يشهدان لما قاله الشافعى رضى الله عنه فى تفسير البدعة فإن قوله عليه الصلاة والسلام من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اهـ له منطوق ومفهوم منطوقه ذم ما أحدث فى هذا الدين مما هو ليس منه هذا منطوق هذا الحديث وأما مفهومه فهو أن ما أحدث فى هذا الأمر أى فى هذا الدين مما هو منه أى ما يوافقه فإنه ليس ردا أى ليس مردودا، هو هذا الحديث هؤلاء المفتونون يمرون عليه لأنه حديث مشهور رواه النووى فى كتابه الأربعين ومع هذا ما هداهم الله لفهم معناه. لو فهموا معناه لعرفوا أنه ليس جميع المحدثات مردودة إنما المردود هو المحدث على خلاف هذا الدين، إذا يفهم من هذا الحديث أن ما أحدث على خلاف هذا الدين فهو مردود وأن ما أحدث على وفاقه فليس بمردود، وكل ما له أصل يعود إليه فى الدين مما أحدثه أهل العلم فهو ليس من بدعة الضلالة التى ذمها الرسول ﷺ فى حديث العرباض بقوله كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة فلا يهولنكم إيراد هؤلاء المفتونين الحديث أو الآية على حسب أهوائهم. لا يهولنكم أى لا تفزعوا إذا أوردوا عليكم ءاية أو حديثا على حسب هواهم والحقيقة تخالف ما يدعونه لا تفزعوا. وهكذا فى العقائد.
فى العقائد يوردون حديثا ليوقعوا الشخص فى تحييز الله تبارك وتعالى أى إثبات الحيز والمكان لله تبارك وتعالى ليوقعوا الناس فى العقيدة الفاسدة وهى جعل المكان لله تعالى حيزا أى جعل الحيز لله تعالى.
هذا الحديث عرف بحديث الجارية لأن سبب هذا الحديث أن رجلا لطم جارية له أى مملوكة له ثم ندم فجاء إلى الرسول ﷺ فقال يا رسول الله إنى فعلت كذا وكذا فسأل رسول الله ﷺ هذه الجارية أين الله فقالت فى السماء وفى لفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله فقالت نعم. روايتان. الرواية الأولى فى مسلم والرواية الثانية فى الموطإ للإمام مالك. هذا الحديث ظاهره يوهم الناس أن الله متحيز فى السماء وهذا لا يجوز على الله لأن هناك حديثا ءاخر صحيحا ثابتا رواه الترمذى أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد اهـ [الأطيط صوت الأقتاب وفى الصحيح القتب بالتحريك رحل صغير على قدر السنام] الرسول ﷺ يخبرنا أن السموات كلها السموات السبع ما فيها موضع أربع أصابع فارغ إلا وهو مشغول بالملائكة بعضهم قائمون وبعضهم راكعون وبعضهم ساجدون فالذى يعتقد ظاهر هذا الحديث يجعل الله تعالى مزاحما للملائكة وهم قد ملأوا السموات ما فيها موضع أربع أصابع فراغ. على زعمهم الله تعالى يزاحم هؤلاء ويندس فيما بينهم وهذا لا يجوز على الله وإن قالوا المراد بكلمة السماء العرش يقال لهم العرش يوجد فوقه مكان وهذا المكان هو الذى فيه الكتاب الذى كتب الله تبارك وتعالى فيه إن رحمتى تغلب غضبى وفى لفظ إن رحمتى سبقت غضبى اهـ هذا الحديث رواه البخارى فى كتاب التوحيد يثبت لنا أن فوق العرش مكانا وهو مكان هذا الكتاب.
بعض أذكيائهم الذين هم عندهم فى منتهى المعرفة يقولون الله موجود بلا مكان لأنه فوق العرش وفوق العرش لا مكان اهـ وهذا الحديث يثبت المكان فوق العرش وهو موضع هذا الكتاب الذى كتبه الله تبارك وتعالى لما قضى خلقه أى لما خلق العرش والكرسى وغير ذلك من العوالم. ولفظ هذا الحديث الذى رواه البخارى إن الله لما قضى الخلق كتب فى كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتى غلبت غضبى اهـ هذا الحديث ينقض عليهم ما يبنونه مما توهمته نفوسهم. وإن قال قائل منهم قوله عليه الصلاة والسلام فوق العرش أى دون العرش يقال له هذا تأويل بلا حجة. أى مانع من حيث العقل أو من حيث الشرع أن يكون فوق العرش مكان. يقال لهم أين برهانكم . هاتوا إن كنتم صادقين. هاتوا لنا دليلا عقليا على استحالة وجود مكان فوق العرش أو دليلا نقليا صحيحا على استحالة وجود مكان فوق العرش ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا. إذا دعواهم التأويل أى تأويل قوله عليه الصلاة والسلام فوق العرش بأن معناه دون العرش لغو لا يلتفت إليه لأن القرءان والحديث يجب تركهما على الظاهر إلا إذا كان هناك دليل عقلى أو دليل نقلى ثابت عندئذ يجوز تأويل الآية أو الحديث وإلا فالتأويل عبث والنصوص الشرعية تنزه عن العبث. التأويل بلا دليل عقلى أو نقلى تلاعب بالآية وتلاعب بالحديث.
ثم هذا الحديث حديث الجارية له تأويل. معنى قوله عليه الصلاة والسلام أين الله ما اعتقادك فى الله من التعظيم. هذا المعنى. وقولها فى السماء وفى لفظ فأشارت إلى السماء هذا القول أو هذا اللفظ معناه أنه تبارك وتعالى رفيع القدر جدا. هذا معنى الحديث حديث الجارية.
ثم هذا الحديث ليس متواترا فكيف يؤولون الآيات القرءانية التى لو فسرت على ظواهرها لنقضت عليهم اعتقادهم أن الله فوق العرش أو فى سماء من السموات. ءايات عديدة وأحاديث صحيحة عديدة ظواهرها تنقض معتقدهم أن الله بذاته فوق العرش وذلك كقول الله تبارك وتعالى فى سورة البقرة ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ هذه الآية ظاهرها أن الله هنا فى الأرض بحيث إذا صلى مشرقا أو مغربا أو إلى الجنوب أو إلى الشمال يكون توجه إلى ذات الله أى أن الله هنا على مدار الأفق أفق السماء بحيث إن أى مصل يصلى فى الطريق التى يقصدها النافلة نافلة السفر يكون متجها إلى ذات الله تبارك وتعالى. هذه الآية على حسب ظاهرها تنقض معتقدهم أن الله متحيز على العرش أو فى سماء من السموات، تنقض عليهم، تهدم عليهم ما بنوه بتخيلاتهم، تهدمها.
وأما نحن أهل السنة والجماعة بتوفيق الله تبارك وتعالى ورحمته هدينا للتوفيق بين النصوص بين القرءان والحديث وبين ءاية وءاية أخرى وبين حديث وحديث. الله تبارك وتعالى وفقنا برحمته وفضله للتوفيق بين الآيات وبين الأحاديث. نحن أهل السنة والجماعة نقول هذه الآية ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ لا تحمل على ظاهرها بل تؤول وما تأويلها. تأويلها أن قبلة الله تبارك وتعالى حيثما توجهتم فى صلاة النافلة فى السفر على الدواب أو مشاة الجهة التى تقصدونها ﴿فثم﴾ أى فى تلك الجهة ﴿وجه الله﴾ [أى قبلة الله قاله عكرمة ومجاهد كما فى زاد المسير لابن الجوزى]. لا نقول ﴿وجه الله﴾ معناه ذات الله فى كل الآيات. نقول هذه الآية ﴿فثم وجه الله﴾ معناها قبلة الله أى أن الله تبارك وتعالى جعل لكم الجهة التى تقصدونها إذا أردتم صلاة النفل قبلة لكم أى إن كنتم مشرقين وإن كنتم مغربين وإن كنتم متجهين إلى الجنوب أو متجهين إلى الشمال هناك قبلة الله. لا نقول ذات الله هناك لأن هذا شىء يحيله العقل ويحيله النقل.