الجمعة مارس 13, 2026

الدرس الخامس والأربعون

بيان التفصيل فى البدعة (1)

 

     الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

     أما بعد فقد روينا فى صحيح مسلم وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلى رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شىء اهـ هذا الحديث أصل فى إثبات البدعة الحسنة المسماة بالبدعة المستحبة أيضا لأن قوله ﷺ سنة حسنة فى مقابل السنة السيئة لفظ عام يشمل كل ما استحدث على وفاق الكتاب والسنة أى ليس على خلافهما فهو داخل فى قوله عليه الصلاة والسلام من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها اهـ وإن كان سبب هذا الحديث أن أناسا مجتابى النمار [والنمار جمع نمرة كساء فيه خطوط بيض وسود] أى من شدة البؤس والفقر خرقوا أوساط نمارهم فأدخلوها عليهم فأدنوا جوانبها على أبدانهم لستر العورة، ما كانوا يجدون قميصا ولا إزارا والإزار هو ما يلبس على النصف الأسفل من شدة الفقر والبؤس إلا ثوبا واحدا عريضا طويلا  كانوا خرقوا وسطه ليستروا جوانب أبدانهم، ليستروا العورة وهؤلاء لم يكونوا من أهل المدينة بل جاءوا إليها للاجتماع برسول الله ﷺ فلما رأى رسول الله ﷺ هؤلاء فى هذه الحالة فى حالة البؤس التى بهم تغير وجهه حزنا عليهم فحث على أن يتصدق عليهم فجمع لهم شىء لتفريج كربتهم وإخراجهم من البؤس الذى هم فيه ففرح رسول الله ﷺ، بدا الفرح على وجهه لما جمع لهم شىء يقضون به حوائجهم فعندئذ قال من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا هذا الحديث ورد على هذا السبب لكن معناه عام وعلماء الأصول قالوا إذا كان النص ورد على سبب وكان اللفظ عاما فيعتبر العموم لا يعتبر خصوص السبب.

     هؤلاء الذين يعادون البدعة الحسنة التى ليست مما يوافق أهواءهم يقولون هذا الحديث ورد فى مثل هذه الصدقة وليس عاما وهذا مردود بالقاعدة الأصولية العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [كما قاله الرازى فى المحصول] فلا يبال المؤمن إذا وجد أمرا استحسنه العلماء الماضون الثقات الأتقياء بإنكار من أنكره. كل ما استحدثه أولئك العلماء الأتقياء فهو داخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها ليس الحديث خاصا بالصدقة فى مثل تلك الحالة التى هى سبب ورود الحديث ومن ادعى التخصيص فقد خالف علماء الأصول. ثم شاهد الحال يقضى بذلك وذلك أن القرءان لما كتبه الصحابة من لفظ الرسول، كتاب الوحى لما كتبوه من لفظ الرسول ﷺ ما كان منقوطا ما كانت الباء لها نقطة والتاء لم تكن منقوطة. هذا النقط حصل بعد وفاة رسول الله ﷺ بزمان.

     أول من نقط المصاحف فوضع للباء نقطة وللتاء نقطتين ونحو ذلك هو يحيى بن يعمر. هذا من ثقات التابعين ليس من أصحاب رسول الله ﷺ هو من أجلاء التابعين وهو أول من نقط المصاحف. هذا أيضا يدخل تحت قول الرسول ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة. الصحابة ما قالوا له أنت كيف تعمل شيئا لم يفعله رسول الله. ما قالوا له الرسول ﷺ ما قال ضعوا النقطة للباء وللتاء وغير ذلك، ما اعترضه أصحاب رسول الله ﷺ، ما عارضوه، ما قالوا له بئس العمل ما عملت بل استحسنوه وذلك لأن فيه نفعا كبيرا. أصحاب رسول الله ﷺ اقتصروا على كتابة المصحف مجردا من النقط والحركات والتعشير، والتعشير هو وضع علامة على كل عشر ءايات وهذه العلامات بعدما أحدث يحيى بن يعمر النقط أحدثت. وكتابة الصحابة للمصحف مع ترك التنقيط كان فيه نظر إلى أن القرءان أنزل على سبعة أحرف، الكلمة الواحدة أحيانا تقرأ عند بعض القراء بالتاء وعند الآخرين بالياء فالمصحف لما كتب بدون تنقيط صار صالحا لهذه القراءة ولهذه القراءة لهذه الحكمة أى حتى يكون المصحف موافقا لهذه القراءة ولهذه القراءة كتبوه بلا نقط لذلك الصحابة سكتوا على تجريد المصحف من النقط ولم يسنوا نقطه لكن لما كان النقط أيضا فيه مصلحة كبيرة ولا سيما على غير العرب لأن غير العرب لا يسهل عليهم النطق بالمصحف كسهولة النطق به على العرب الفصحاء الذين كانوا فى زمن الوحى والتنزيل أى شهدوا الوحى والتنزيل إذا كان غير منقوط، لأجل هذه المصلحة ما أنكر على يحيى بن يعمر فعله.

     هذا التابعى الجليل هو أول من نقط المصاحف فهذا العمل الذى عمله من السنة الحسنة ويسمى بدعة حسنة ويسمى بدعة مستحبة. فالذى يقول البدعة الضلالة المحرمة هى كل ما لم يفعله رسول الله ﷺ فليبدأ بإزالة النقط من المصاحف، قبل أن يتكلم على البدع الحسنة التى استحدثها علماء الإسلام فليبدأ بكشط النقط من المصاحف [كشطه قلعه ونزعه وكشفه عنه كما فى لسان العرب] إن كانت عنده هذه القاعدة صحيحة أى زعمه أن كل ما لم يفعله رسول الله ﷺ فهو بدعة ضلالة. إن كانت هذه القاعدة عنده صحيحة فليبدأ بالمصاحف.

     ثم من المتفق عليه عند علماء المصطلح أمر استحدثه علماء الحديث، استحدثوه ولم يثبت ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ نصا ولا عن رسول الله ﷺ إنما هم استحدثوه واستحبوه قالوا فى كتب المصطلح ككتاب تدريب الراوى للحافظ السيوطى وكتاب مقدمة علوم الحديث للحافظ أبى عمرو بن الصلاح وغيرهما إن عقد مجلس الإملاء أى إملاء الحديث مستحب قالوا يستحب أن يبدأ بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبى وقراءة شىء من القرءان ثم يقول المبلغ عن المحدث وكان من عاداتهم أن المحدث يتلو الحديث وءاخر يبلغ عنه لأنه كان فى تلك العصور مجلس الحديث يكثر حاضروه كان يحضر ءالاف مجلس الحديث فلذلك المحدث كان يحتاج إلى أن ينصب مبلغا فهذا المبلغ يقول بعد تقديم البسملة والحمدلة والصلاة على النبى وقراءة شىء من القرءان بعد هذه الأمور الأربعة يقول من ذكرت رحمك الله. هذا الخطاب للمحدث. المستملى يخاطب المحدث بهذا الكلام يقول من ذكرت رحمك الله أو ما ذكرت رحمك الله فيبدأ المحدث بالتحديث يقول حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلى أن ينتهى إلى رسول الله ﷺ فيذكر لفظ الحديث.

     هذا عقد له علماء الحديث فى كتب المصطلح ترجمة، جعلوه ترجمة مستقلة، هذا من جملة البدع المستحبة لأن الرسول ﷺ ما فعل هذا ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أبو هريرة ولا عبد الله بن عباس ولا عبد الله بن مسعود ولا أبو سعيد الخدرى ولا غيرهم من أصحاب رسول الله الذين كانوا يحدثون الذين أخذوا الكثير من الحديث عن رسول الله ﷺ، ما عملوا هذا الشىء إنما أحدهم كان يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا أو قال رسول الله ﷺ كذا وكذا من دون تقديم هذه الأشياء التى استحبها واستحدثها علماء الحديث فهؤلاء المشوشون ماذا يقولون عن هذا، هم يدعون أنهم من أهل الحديث وأهل الحديث هم ابتدعوا هذه البدعة الحسنة، ماذا يقولون.

     العجب من هؤلاء. أشياء يرتكبونها وهى بدع قبيحة ولا يشعرون بأنهم ارتكبوا بدعة قبيحة. أنا أعرف أحد رؤوسهم يكتب فى مؤلفاته عند ذكر اسم النبى صادا مجردة بدل أن يكتب ﷺ وهذا الرجل نفسه هو الذى قال عن الصلاة على النبى ﷺ على المئذنة جهرا بصوت الأذان إنها بدعة محرمة وقال بعض جماعته عنها هذا حرام هذا مثل الذى ينكح أمه. كيف شبه هذا بالزنى بالأم. لولا فساد قلبه ما كان يتجرأ على هذا. الصلاة على النبى بعد الأذان سنة شرعية إن كانت جهرا وإن كانت بالإسرار لأن الرسول ﷺ قال من ذكرنى فليصل على اهـ [رواه أبو يعلى الموصلى فى مسنده] هذا المؤذن أليس ذكره لما قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم أن محمدا رسول الله أليس ذكر النبى إذن مطلوب منه أن يصلى على النبى، عمل بالحديث. ولم يقل الرسول ﷺ فليصل على سرا ولا يصل على جهرا. من أين لهم تحريم الصلاة على النبى عقب الأذان من المؤذن جهرا. من أين لهم. وأخبث من ذلك تشبيه الذى شبه هذه البدعة الحسنة بنكاح الأم. أيكون مثل هؤلاء دعاة إلى شريعة الله. لا يكون بل هؤلاء محرفون لشريعة الله وليسوا دعاة إلى شريعة الله ولا سلفيين بل هم عكس السلف لكن ليخدعوا الناس يقولون نحن سلفيون.

     أعود أقول إن كانوا يدعون أن كل ما لم يفعله رسول الله ﷺ بدعة ضلالة فليبدأوا بكشط النقط من المصاحف قبل أن يتكلموا على الصلاة على النبى جهرا بصوت الأذان على المئذنة وقبل أن ينكروا عمل المولد فى شهر ربيع الأول الذى استحدثه عالم فاضل ملك مجاهد تقى ثم وافقه علماء الحديث على فعله هذا، ملك يقال له الملك المظفر كان هو ملك إربل الله تبارك وتعالى ألهمه فى شهر ربيع الأول عمل مأدبة طويلة ذبح فيه ذبائح من الأغنام ءالافا من الأغنام وأحضر من الحلويات وجمع العلماء والفقهاء والزهاد الصوفيين جمع هؤلاء وجمع الوجهاء فى ناحيته وعمل هذا المولد إظهارا بالفرح بوجود رسول الله ﷺ وبروزه إلى الدنيا فى ذلك الوقت إظهارا لشكر الله تبارك وتعالى على هذه النعمة العظمى بروز سيدنا محمد ﷺ فى مثل ذلك الوقت فاستحسنه علماء الحديث حتى إن منهم حافظا من حفاظ الحديث يقال له ابن دحية من المغرب كان خرج من المغرب يقصد أن يزور البلاد الشرقية ثم صادف هذا الوقت الذى كان عمل فيه هذا الملك المظفر المولد لأول مرة وكان ذلك فى أواخر المائة السادسة الهجرية هذا الحافظ المحدث ابن دحية عمل له كتابا فى المولد سماه التنوير فى مولد البشير النذير ﷺ. كل العلماء الذين كانوا فى ذلك الوقت من محدثين حفاظ الحديث وفقهاء وصوفيين كلهم رضوا بهذا العمل ما اعتبروه شيئا من بدع الضلالة.

     ثم لو كان هؤلاء المشوشون سلموا من كل ما استحدث بعد رسول الله ﷺ لقال القائل هؤلاء يحاربون كل ما استحدث بعد رسول الله ﷺ لكنهم متلبسون ببدع قبيحة مثل كتابة صلعم عند ذكر اسم النبى ﷺ فهذه بدعة قبيحة.