الدرس الرابع والأربعون
الكلام عن بعض الكبائر
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد فقد روينا بالإسناد المتصل فى صحيح الإمام ابن حبان البستى رحمه الله بإسناده إلى أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئا ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلا دخل الجنة اهـ يعنى رسول الله ﷺ أن من فعل ذلك دخل الجنة بلا عذاب فى القبر ولا فى الآخرة. فعلى هذا المسلم ينطبق قول الله تعالى فى الآية الكريمة فى سورة ءال عمران ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ فهذا المسلم الذى فعل ما ذكر فهو الذى يزحزح أى يبعد عن نار جهنم ويدخل الجنة وهو الذى ينطبق عليه قوله تعالى فى سورة الكهف ﴿خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾ فكل من أهل الجنة راض بمقامه فيها لا يمل من طول مقامه ولا يستقل ما هو فيه من النعم فى تلك الحياة الأبدية الدائمة.
ثم هذا الحديث يتحمل من الشرح الكثير والتفصيل الواسع لكننا نقتصر اليوم على شرح قوله ﷺ ويجتنب الكبائر اهـ فالكبائر هى الذنوب التى تشعر بأن فاعلها غير مكترث بالدين أى قليل المبالاة، وهى من حيث التعداد قريب من السبعين [أخرج عبد الرزاق فى مصنفه باب الكبائر أنه قيل لابن عباس الكبائر سبع قال هى إلى السبعين أقرب]. منها أكل الربا وهو أنواع وأعظمه أن يقرض الرجل مالا لغيره ويشترط جر منفعة لنفسه أو له وللمقترض سواء كان الشرط الزيادة فى المقدار أو أن يسكنه بيته مجانا إلى أن يرد له المال.
ومن الكبائر شرب الخمر ولو كانت خمر شعير.
ومنها السحر سواء كان للتحبيب بين اثنين أو للتبغيض أو لتخبيل العقل أى ليصاب بالجنون أو كان لتسليط الأمراض على المسحور سواء كان من عدو إلى عدو أم من زوجة إلى زوجها ليطيعها فى كل شىء أم من أم الزوجة حتى يكون زوج بنتها مطيعا لها لا يخالف لها أمرا.
ثم السحر أنواع منه ما لا يتم إلا بعبادة الشيطان أى بالسجود له ومنه ما يكون فيه كلمات غير مفهومة المعنى وتكون هى فى الحقيقة رموزا يحبها الشياطين يقضون لمن يستعملها بغيته وطلبه. وقد يخلطون فى عمل السحر من الآيات القرءانية للإيقاع بالناس فى الكفر باعتقادهم أن القرءان يدخل فى السحر فالذى يظن أن القرءان يدخل فى عمل السحر فقد خرج من الإيمان وذلك مقصود الشيطان فكثيرا ما يكون الذين يستعملون السحر أناسا ينتسبون إلى بعض الطرق ويشتغلون مع ذلك بالشعوذة والسحر، يظنهم الناس مشايخ هداة يقربون الناس إلى الله وهم يبعدون الناس عن الله، خلط عليهم الشيطان الأمور.
ومن الكبائر أن يقتطع حق امرئ مسلم بيمين كاذبة.
ومن الكبائر أن يضيع الإنسان نفقة زوجته أو نفقة أولاده الصغار أو نفقة والديه الفقيرين مع المقدرة [روى الحاكم فى مستدركه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول].
ومنها قتل البهيمة بالجوع والعطش [رواه البخارى ومسلم].
ومن الكبائر ضرب المسلم ضربا مبرحا بغير حق كمن يضرب زوجته من أجل أنها تخالفه فى أمر ليس واجبا شرعا عليها كالذى يضرب زوجته لأنها لم تصنع الطبيخ جيدا أو أنها لم تذهب معه للنزهة لأمكنة خبيثة فيها منكرات بل هذا الثانى ذنبه مضاعف لأنه أراد إكراهها على محرم حرمه الله تعالى، لكنها إن طاوعته بغير عذر فى فعل المحرم فعليها ذنب أيضا.
ومن الكبائر امتناع الزوجة إذا دعاها زوجها للفراش بغير عذر شرعى فإنها تكون من أهل الكبائر حتى إنه ورد فى الحديث الصحيح أن المرأة التى تبيت وزوجها غضبان عليها من أجل تمنعها من الفراش بلا عذر شرعى فإن الملائكة تلعنها إلى الصباح [رواه البخارى]. والعجب أن كثيرا من النساء يحافظن على أمر الطبيخ وتنظيف البيت ولا يحافظن على هذا الحق الذى فرض شرعا. قال رسول الله ﷺ إذا دعا الرجل زوجته [أى دعاها للاستمتاع بها] فلتأته ولو كانت على التنور اهـ [رواه الترمذى فى السنن].
ومن الكبائر ترك تعلم العلم الشرعى الضرورى [قال فى فيض القدير شرح الجامع الصغير ما نصه (فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم) مكلف وهو العلم الذى لا يعذر المكلف فى الجهل به كمعرفة الصانع وما يجب له وما يستحيل عليه ومعرفة رسله وكيفية الفروض العينية] ولو بالمشافهة من غير كتابة ولا تقييد لا فرق فى ذلك بين الرجل والأنثى لأن من لا يتعلم يقع فى الكبائر شاء أم أبى ولا يضمن صحة صلاته ولا صيامه ولا زكاته ولا زواجه فكم من الناس يعيشون بالمعاشرة المحرمة من شدة الجهل كالذين يطلقون بالثلاث ثم يستمرون بمعاشرة زوجاتهم اللواتى طلقوهن فيقعون فى الزنى عند الله.