الدرس الثالث والأربعون
تمييز الخلطة المحرمة للرجال بالنساء من غيرها
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد فقد قال الفقهاء الخلطة المحرمة بين الرجال والنساء هى التضام والتلاصق وأما ما سوى ذلك فليس خلطة محرمة إن لم تكن خلوة محرمة [فى المجموع شرح المهذب للنووى ما نصه ولأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام]. فقد كانت النساء فى عهد رسول الله ﷺ يصلين خلف رسول الله ﷺ وبعد صفوف الرجال من غير أن يكون بين صفوف الرجال وصفوف النساء ساتر، والمسافة بين صف الرجال الذى يلى النساء وبين صف النساء مقدار متر وشىء لأنه إذا بعد الصف عن الإمام أو بعد الصف الذى بعده عن الصف الذى يلى الإمام أكثر من ثلاثة أذرع يدوية وذلك أقل من متر ونصف كان ذلك مكروها فأما ما كان فيه تضام وتلاصق فهو حرام إذا كان عن تعمد وإلا فليس حراما كالذى يحصل فى الطواف حول الكعبة وعند رمى الجمرات وعند المواجهة الشريفة أى الوقوف أمام رسول الله ﷺ بالمدينة عند قبره الشريف من التضام الذى هو غير متعمد بل من شدة الزحمة فلا يقال فيه حرام، فلم يزل المسلمون على ذلك إلى وقتنا هذا [فى وقت إعطاء هذا الدرس لم يكن فصل بين الرجال والنساء عند السلام على رسول الله ﷺ بل كانت النسوة يقفن خلف الرجال عند السلام] فالآن الوضع فى المسجد الحرام وفى منى فى محل الرجم وفى مسجد الرسول ﷺ لا يزال على هذه الحال لم يخصص للرجال وقت وللنساء وقت بل يجتمع الفريقان فى المطاف حول الكعبة وعند السلام على الرسول ﷺ فى المسجد النبوى وغير ذلك.
وأما تعليم الرجال النساء الدين الشابات وغيرهن فهو أمر اتفق المسلمون على جوازه بل على وجوبه فى الجملة فقد أتى رسول الله ﷺ إلى مجلس فيه النساء يوم عيد خارج مسجد الرسول ﷺ ومعه بلال رضى الله عنه فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالتصدق [رواه البخارى] أى لمصالح المسلمين ليس لنفسه لأنه يحرم عليه أكل الصدقة ﷺ.
وكذلك المبايعة التى أمره الله تبارك وتعالى أن يبايع النساء المؤمنات [رواه البخارى] دليل على جواز دعوة الرجال النساء إلى الدين وكذلك كان كثير من الصحابة تقصدهم النساء والرجال للتعلم منهم كما أن النساء من الصحابيات كان الرجال والنساء يقصدونهن لعلم الدين كأم الدرداء زوجة أبى الدرداء [كما فى البخارى] ثم لم تزل بعد ذلك فى العصور نساء يتلقين العلم من الرجال وكان رجال يتلقون العلم من النساء بلا خلوة محرمة كان فى القرن الخامس الهجرى فى دمشق عالم حديث لم يكن له نظير فى دمشق فى ذلك الزمن يقال له ابن عساكر تلقى الحديث من ألف رجل وثلاثمائة امرأة، ومن حرم أو كره تعليم الرجال النساء الدين فهو كافر بالله العظيم، فلم يقل رسول الله ﷺ قط لا يعلم الرجال الدين إلا رجالا أمثالهم ولا قال قط لا يتعلم الرجال الدين من النساء بل تعليم الدين بين الرجال والنساء واجب ومن قال خلاف ذلك فهو مفتر فى دين الله عدو دين الله. وليس لهؤلاء المحرفين لدين الله حجة شرعية إلا قولهم بأفواههم وليس بإمكانهم أن يأتوا بآية أو حديث صحيح عن رسول الله ﷺ يثبت ما يدعون ونسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم. وليت شعرى ماذا يكسبون من هذا الافتراء على الدين. وفى صحيح البخارى أن رسول الله ﷺ قال بلغوا عنى ولو ءاية اهـ فلو كان تبليغ الرجال الدين للنساء محرما لقال ليبلغ الرجال عنى الرجال والنساء النساء.
ولو كان الأمر كما يقولون لبعث الله تعالى أنبياءه للرجال ونبيات للنساء لكنه تبارك وتعالى لم يرسل نبيات فكان فى ذلك دليل ظاهر على أن الدعوة إلى الدين فرض من الفريقين للفريقين أن ذلك مطلوب من الرجال إلى الرجال والنساء ومن النساء إلى النساء والرجال فقوله ﷺ بلغوا عنى ولو ءاية حكمه يشمل الذكور والإناث كما أن قوله تعالى فى سورة العصر ﴿إن الإنسان لفى خسر﴾ شامل للرجال والنساء وإن ورد بلفظ التذكير وليس من ذلك شىء خاص بالرجال إلا ما خصه الشرع بالرجال وهكذا أغلب النصوص القرءانية والحديثية لا يتمارى فى ذلك إلا محرف لدين الله.