الجمعة مارس 13, 2026

 

الدرس الثانى والأربعون

التحذير من معاداة الأولياء

 

     الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

     أما بعد فقد قال رسول الله فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى من عادى لى وليا فقد ءاذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها اهـ الحديث أخرجه البخارى.

     والولى هو الذى أدى الواجبات واجتنب المحرمات وأكثر من النوافل، فالطبقة العليا من المؤمنين بعد الأنبياء بالنسبة إلى البشر والجن هم الأولياء ثم سائر المؤمنين. أما الملائكة فكلهم أولياء الله وإن كانوا على درجات فيما بينهم. وأكبر الأولياء فى البشر وأعلاهم درجة هم أولياء الصحابة. وأولياء أمة محمد ﷺ هم الذين عناهم الله تعالى بقوله فى سورة براءة ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ وهؤلاء الأولياء لا ينقطعون فى أمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. ثم إن من كرامات الأولياء أو مما يكرمهم الله به فى الدنيا إجابة الدعوى وتكثير القليل من الطعام وعدم التأثر بالسم القاتل وعدم الاحتراق بالنار. أما إجابة الدعوى فهى كثيرة. كان سعد بن أبى وقاص وهو المسمى سعد بن مالك المكى القرشى أحد العشرة المبشرين بالجنة مجاب الدعوى إن دعا لشخص أصابته تلك الدعوى وإن دعا على شخص ظالم أصابته تلك الدعوى وذلك أن رسول الله دعا لسعد بن أبى وقاص قال اللهم أجب دعوته اهـ [رواه الحاكم فى المستدرك] فكانت دعوته مستجابة. من ذلك ما رواه قيس بن أبى حازم وكان من أكابر التابعين الذين لقوا الصحابة قال كنت فى المدينة أطوف فى السوق حتى بلغت أحجار الزيت فلقيت أناسا مجتمعين وإذا برجل راكب دابة بينهم فجاء سعد بن أبى وقاص فقال ما هذا فقالوا هذا رجل يشتم على بن أبى طالب فتقدم إليه فأفرجوا له فقال سعد يا هذا علام تشتم على بن أبى طالب ألم تعلم أنه أول من أسلم، ألم تعلم أنه أول من صلى مع رسول الله، وذكر حتى قال ألم تعلم أنه ختن رسول الله [والختن زوج البنت كما فى غريب الحديث لابن الجوزى]، ألم تعلم أنه صاحب راية رسول الله فى غزواته، ثم استقبل القبلة ورفع يديه فقال اللهم إن كان هذا يشتم وليا من أوليائك فلا تفرق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك فساخت به دابته [أى غاصت فى الأرض] فوقع على هامته على تلك الأحجار فانفلق دماغه فمات اهـ [رواه الحاكم فى المستدرك].

     ثم بعد ذلك ذكر له أن رجلا من الحكام الجائرين قال فى بيت مال المسلمين إن هذه الأموال نفعل بها ما نشاء ونمنع عنها من نشاء فقام سعد ليدعو عليه فنزل ذلك الرجل خوفا من أن يدعو عليه فتصيبه دعوته فيهلك وقال إنما هى أموال الله [رواه الحاكم فى المستدرك على الصحيحين]، كان أحد ولاة بنى أمية الجائرين الذين يستبدون ببيت مال المسلمين فيعطون من يواليهم ويمنعون عن كثير ممن يستحقون.

     وهكذا ينتقم الله تعالى ممن يشاء ممن يؤذى أولياءه وينتهك حرمتهم، وهذا الذى يؤذى الأولياء لا يأمن أن يصيبه الله تعالى قبل موته بمصيبة تقصم ظهره جزاء له على فعله.

     ثم يعلم من هذا الحديث الصحيح أن أكابر أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين الأولين لم يكن بينهم حقد وعداوة بل كان كل واحد منهم يعرف الفضل لأخيه الذى يجمعه به صحبته رسول الله ﷺ والسابقية فى مؤازرته فمن قام بالتعصب وطعن فى بعض منهم ومدح البعض فإن عاقبته وخيمة ومن لم يشإ الله له النجاة لا يعتبر مهما شاهد أو سمع بما فيه عبرة.

     كان أحد فقهاء اليمن سليط اللسان على بعض الفقهاء المعتبرين من الأولياء الكبار، وهذا الفقيه الولى الإمام هو الفقيه المشهور محيى الدين النووى، وكان هذا اليمنى يؤذى النووى فلما مات اليمنى واسمه جمال الدين اندلع لسانه بشكل بشع وجاء شىء يشبه الهرة فاقتطع لسانه وذهب به واختفى [انظر الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة للحافظ ابن حجر]، هذا بعض ما جزاه الله تعالى به قبل أن يغيب إلى بطن الأرض. فالحذر الحذر من القدح والطعن فى واحد من السابقين الأولين من المهاجرين أو الأنصار، والأنصار هم أهل المدينة الذين نصروا رسول الله ﷺ فسماهم الله تعالى بهذا الاسم الشريف الأنصار وهو اسم لم يكن لهم قبل الإسلام إنما الإسلام شرفهم به، كذلك ليحذر المؤمن المشفق على نفسه من التعرض لمعاداة أى ولى من أولياء الله.

     وسعد بن أبى وقاص هو أفضل المؤمنين بعد الخلفاء الراشدين من الطبقة العليا. أما أبو هريرة فلا يعد من السابقين الأولين لكنه يعد من علماء الصحابة ومن الذين كان لهم حظ وافر من حب الله ورسوله، وقد أدرك مع رسول الله ﷺ صحبة ثلاث سنوات لازمه فيها فأخذ من العلم الكثير الكثير لأنه كان متفرغا لم يكن متزوجا ولم يكن يشغله أهل ولا مال فلم يكن يمتهن مهنة ولا كان له ابن يشغله ولا أهل تقطعه خدمتهم عن ملازمة رسول الله ﷺ فجمع فى هذه السنوات من علم رسول الله ﷺ ما لم يجمعه كثير من الذين لازموا رسول الله أكثر من عشر سنوات، والله تعالى هو ذو الفضل والمن كما قال رسول الله ﷺ فى بعض دعواته لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت اهـ [رواه مسلم] فمن علامات المقت أن يجعل الإنسان همه الطعن بهؤلاء الأبرار الأطهار.

     والهجرة إلى رسول الله ﷺ لها مكانة عالية عند الله، كان رجل من أصحاب رسول الله قد هاجر هو وصاحب له من بلادهما وتسمى دوسا إلى المدينة المنورة بعدما هاجر إليها رسول الله ﷺ بمدة، تركا وطنهما حبا فى الله ورسوله واغتربا إلى مدينة رسول الله ﷺ، وكان أحد الرجلين أصابه مرض ثم اشتد عليه الألم فأخذ حديدة فقطع مفاصل يديه فصار الدم يشخب فمات بنزيف الدم، ثم رءاه رفيقه المهاجر فى الرؤيا برؤية حسنة، لم يره برؤية سيئة، فقال له ما فعل بك ربك قال غفر لى بهجرتى إلى النبى [أخرجه البخارى فى الأدب المفرد ومسلم فى صحيحه]. فإذا كان هذا حال هذا المهاجر الذى فعل أكبر الجرائم بعد الكفر فكيف يكون المهاجرون السابقون الأولون.

     إذا كان الله تبارك وتعالى شبه غيبة الرجل المسلم من غير سبب شرعى من غير تقييد بالصالحين الأولياء بالأكل من لحم أخيه ميتا فما يكون الذى يغتاب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو أبا هريرة أو سعد بن مالك، أليس هذا ذنبا ومعصية شنيعة. الله تعالى عظم حرمة المؤمن فقد روينا بالإسناد الصحيح أن حرمة المؤمن عند الله تعالى أعظم من حرمة الكعبة [رواه الترمذى فى سننه والبيهقى فى شعب الإيمان]. وأما غيبة الأتقياء الصالحين فمعصية كبيرة من أكثر منها ولم يتب يكون من أهل عذاب القبر.

     فما أعظم خبث من يعادى واحدا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وما أعظم جهله إن أقدم على الطعن فيمن زكاهم الله.