الدرس الحادى والأربعون
حرمة المن بالصدقة والحلف كذبا
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد أشرف المرسلين وخاتم النبيين ﷺ وعلى ءاله.
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى قال فى سورة البقرة ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
هذه الآية ءاخر ءاية نزلت وفيها الأمر بالتقوى، فيها الأمر بالاستعداد للآخرة بتقوى الله. ﴿واتقوا يوما﴾ أى خافوا ذلك اليوم العظيم يوم ترجعون فيه إلى الله، فيوم القيامة يوم لا يوجد فيه رئيس ومرؤوس على العادة التى عرفها العباد فى الدنيا بل الله تبارك وتعالى هو يحاسب العباد يكلم هذا ويكلم هذا بلا ترجمان أى يسمعهم كلامه الذى لا يشبه كلام العالمين، منهم من يكلمهم الله تعالى كلام من رضى الله عنه أى يسمعهم كلامه الذى لا يشبه كلام الخلق فيحصل لهم سرور ورضى واطمئنان نفس ومنهم من يكلمهم الله تعالى ليعرفوا أنهم مهانون عند الله ليس لهم أمان وليسوا من أهل الدرجات العلى. فالمرضيون عند الله تعالى يحصل لهم عندما يسمعون كلام الله من الفرح والسرور ما لا يوصف والمغضوب عليهم لا يشعرون بأمن بل يشعرون بخوف عظيم وقلق متين لا يوصف وهناك فريق ثالث وهم بعض عصاة المسلمين يكونون بحالة بين حالة هؤلاء وحالة هؤلاء وفى هذا المعنى ورد فى الصحيح الحديث المشهور ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان اهـ [رواه البخارى] وهذا الموقف الذى سيقفه العبد ويسمع فيه كلام الله ليس كوقوف إنسان أمام ملك يكون بينه وبين ذلك الملك مسافة ومقابلة بجهة بل وقوف العبد بين يدى الله تعالى فى الآخرة بلا مسافة بينه وبين الله [قال أبو حنيفة فى الفقه الأكبر ولا يكون بينه أى بين الله وبين خلقه مسافة].
قال تعالى ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ أى أن الله تعالى يجازى كل نفس بعملها إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر فلما كانت حالة الكفار وقسم من غيرهم أنه لا يحصل لهم سرور من سماع كلام الله تعالى بل يحصل لهم خزى وقلق وخوف لسوء مصيرهم عبر عن ذلك بما جاء فى الحديث من ذكر ثلاثة أنه لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم. ومعنى لا يكلمهم أنهم لا يفرحون حين يسمعون كلامه ومعنى لا ينظر إليهم أنه لا يكرمهم أما رؤيته تعالى لعباده فهى رؤية شاملة عامة أزلية أبدية. قال رسول الله ﷺ ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب والفقير المتكبر اهـ [الحديث بعضه فى البخارى باب اليمين بعد العصر وبعضه عند مسلم والترمذى والبيهقى فى السنن الكبرى].
أما المنان فهو الرجل الذى يمن بما أحسن إلى شخص ليظهر أنه أعلى منه يقول ألم أعطك كذا ألم أفعل من المعروف إليك كذا وكذا ليكسر قلبه فهذا المن محرم من الكبائر يحبط الثواب، قال الله تبارك وتعالى فى سورة البقرة ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس﴾ شبه الله تعالى المن بالرياء لأن كليهما يحبطان الثواب، وأما المنفق سلعته بالحلف الكاذب فهو الذى يحلف كذبا لينفق بضاعته وذلك أيضا من كبائر الذنوب، أما إذا حلف وهو صادق لينفق سلعته فليس عليه ذنب لكن ترك ذلك أفضل، فلا خير فى الحلف إلا إذا كان يراد به إحقاق حق أو إبطال باطل، فالحلف الذى فيه ثواب مثل الحلف الذى كان الرسول ﷺ يحلفه حين يحدث أصحابه بشىء من الأمور الدينية ليؤكد ذلك فى نفوسهم، كان أحيانا يقول والذى نفس محمد بيده اهـ [رواه البخارى] وكان كثيرا ما يقول إذا نفى شيئا وأراد تأكيد ذلك لا ومقلب القلوب اهـ [رواه البخارى] ليعلم السامعين أنه صادق فيما قال لا ريب فيه وليعلمهم أن ما كان كذلك من الحلف فيه ثواب وليعلمهم أن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شىء لا يخلق العباد شيئا فإنه إذا كان عمل القلب مخلوقا لله تعالى فعمل الجوارح معلوم أنه مخلوق لله تعالى بالأولى. وكذلك كل حلف يشبه ذلك فهو حق وفيه ثواب لمن أخلص نيته. وروى مسلم فى الصحيح عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبى الأمى إلى لا يحبنى إلا مؤمن ولا يبغضنى إلا منافق اهـ كان كثيرا ما يحلف هذا الحلف لكون ما يورده من الكلام عقبه من الحق المتيقن الذى لا ريب فيه ولا شك.
والفقير المتكبر ذكر فى هذا الحديث. والكبر من الكبائر وهو أن يرد الحق على قائله بعد العلم بأن معه الحق أو أن يحتقر المسلم لكونه فقيرا أو ذا عاهة أو صغير السن أو نحو ذلك فمن فعل ذلك فقد وقع فى سخط الله، وإنما ذم رسول الله ﷺ الفقير المتكبر لأن الكبر قبيح للغنى والفقير لكنه مع الفقر أقبح فالفقير المتكبر أشد إثما من الغنى المتكبر. فيعلم من هذا الحديث أن هؤلاء الثلاثة من شر الناس يوم القيامة.
والتكبر صفة مذمومة مع المتواضع وغير المتواضع فلا يجوز أن يقال التكبر على المتكبر صدقة. الله تبارك وتعالى يحب المؤمن المتواضع فكل من له عند الله منزلة عالية صفته التواضع وترك العجب، ومن تأمل فى أحوال الصالحين من الصحابة ومن بعدهم علم أنهم كانوا متواضعين غير مترفعين على الناس. كان الإمام الشافعى رضى الله عنه مع جلالة قدره وعلو شأنه لا يجادل إنسانا وهو مترفع عليه إنما كان ينوى عند جداله لإنسان الوصول لإظهار الحق، وكان من عظم إخلاصه لله تعالى أنه كان يحب أن ينتشر علمه من غير إشراف نفس إلى أن يعرف بذلك ليبجله الناس ويعظموه إنما كان قصده نشر الحق بين الناس ولم يكن فى نيته أن يشار إليه بالأصابع لوفور العلم والتفوق فى المعرفة فلولا ذلك لما أظهر علمه ومن عظيم تواضعه أنه كان لا يريد الإمامة فى الصلاة خوفا من تحمل الأمانة مع أنه كان أفقه أهل عصره وأعلمهم وأحسنهم صوتا بالقراءة. كان بحر بن نصر يقول كنا إذا أردنا البكاء قلنا اذهبوا بنا إلى هذا الفتى المطلبى يعنى الشافعى فنأتيه فنستمع لقراءته فنتساقط من البكاء اهـ كانوا من حسن صوت الإمام الشافعى يأتون ليستمعوا إلى قراءته حتى ترق قلوبهم وتخشع لله، يجلسون فيستمعون إلى قراءته فكان يغشى عليهم أو يكونون قريبين من حالة الغشية من شدة ما يدخل فى قلوبهم من الرقة والخشية من الله من حسن قراءته رضى الله عنه، ومع ذلك مع ما ءاتاه الله تعالى من حسن الصوت فى القراءة وجودة القراءة كان يخاف أن يتقدم الناس إماما فى الصلاة. هذا حال أولياء الله أنهم يتهمون أنفسهم بالتقصير.