الخميس فبراير 19, 2026

الدرس التاسع والعشرون

الحج

 

     الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين أما بعد فإن حديثا فى صحيح مسلم فيه فوائد جمة وأحكامه كثيرة وهو حديث صحيح مشهور معروف بين علماء الحديث عن جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عن أبيه محمد الباقر قال دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت أنا محمد بن على بن حسين فأهوى بيده إلى رأسى فنزع زرى الأعلى ثم نزع زرى الأسفل ثم وضع كفه بين ثديى فأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحبا بك يا ابن أخى سل ما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام فى ساجة [الساج طيلسان مقور ينسج كذلك وجمعه سيجان وقيل الساج الطيلسان الضخم الغليظ وقيل الطيلسان الأخضر] ملتحفا بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب [المشجب عيدان يضم رءوسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء] فصلى بنا فقلت أخبرنى عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فعقد تسعة فقال إن رسول الله مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن فى الناس فى العاشرة أن رسول الله حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر فأرسلت إلى رسول الله كيف أصنع قال اغتسلى واستثفرى بثوب فأحرمى وصلى رسول الله فى المسجد ثم ركب القصواء [القصواء اسم ناقة للنبى ﷺ] حتى إذا استوت به ناقته على البيداء [البيداء اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة] نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرءان وهو يعرف تأويله وما عمل به فى شىء عملنا به فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذى يهلون به ولم يرد رسول الله شيئا منه ولزم رسول الله تلبيته قال جابر رضى الله عنه لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى[سورة البقرة/125] وجعل المقام بينه وبين البيت ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله[سورة البقرة/158] فأبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة الحديث رواه مسلم.

     وروينا فى مستدرك الحاكم وسنن البيهقى وغيرهما من حديث شداد بن أوس رضى الله عنه أن نبى الله ﷺ قال إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق ءادم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فإذا كان يوم الجمعة فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة على قيل وكيف تعرض صلاتنا عليك يا رسول الله وقد أرمت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء اهـ هذا الحديث يتضمن فضل يوم الجمعة، هنا لفظ الحديث إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة وإنما قال من أفضل أيامكم ولم يقل إن أفضل أيامكم لأن هناك أياما لها مزايا وفضائل كيوم الحج الأكبر وهو يوم العيد بالنسبة للمحرم فى الحج، يوم العيد هو يوم الحج، يوم العيد هو يوم الحج الأكبر، عرفة قبل يوم العيد.

     وسمى يوم العيد للحاج يوم الحج الأكبر لأن معظم أعمال الحج تكون فيه كالطواف والحلق أو التقصير ورمى جمرة العقبة.

     ولا يتنافى هذا مع حديث الحج عرفة لأن أشد أعمال الحج احتياطا هو وقوف عرفة لضيق وقته لأن الوقوف بعرفة وقته أقل من يوم كامل لأن وقته من زوال يوم عرفة أى التاسع من ذى الحجة إلى الفجر، ما بين الزوال والفجر هذا وقت عرفة فمن لم يتمكن من الوقوف بعرفة فى هذه المدة التى هى أقل من يوم كامل فاته الحج فلذلك قال الرسول الحج عرفة معناه من أدرك عرفة أى وقف بعرفة فقد أدرك الحج أى ما سوى ذلك سهل عليه لأن أركان الحج سوى الوقوف وقتها واسع. الطواف بالبيت الذى هو ركن من أركان الحج لا يجبر بدم أى بذبح إن فات لأن وقته واسع لكن أفضل أيامه يوم العيد فمن لم يطف طواف الفرض فى خلال أيام التشريق طاف أى يوم شاء بعد ذلك لو بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أكثر.

     والسعى مثله ليس وقته ضيقا بل واسع إن شاء يسعى عقب طواف القدوم أول ما يدخل مكة وإن شاء يسعى عقب طواف الفرض. والحلق أو التقصير يجوز فعلهما كالطواف بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أكثر. فلما كان العمل الذى وقته ضيق هو الوقوف بعرفة فقط قال عليه الصلاة والسلام الحج عرفة ليس معناه أن من وقف بعرفة ثبت له الحج من غير توقف على أعمال أخرى بل لا بد من الإحرام الذى هو النية أى نية الدخول فى النسك ومن طواف الفرض والسعى والحلق أو التقصير.

     قوله عليه الصلاة والسلام إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة هو لبيان أن هناك أياما فاضلة غير يوم الجمعة وإن كان يوم الجمعة يختص بمزايا ليست لتلك الأيام الفاضلة سواه أى من بين الأيام الفاضلة سواه، ومن الأيام الفاضلة عشر ذى الحجة أى من أول شهر ذى الحجة إلى العاشر من يوم العيد، كل هذه الأيام لها فضل عند الله تعالى فإن عمل البر والإحسان فى هذه الأيام يزكو ويزيد على ما سواه لذلك قال رسول الله ﷺ ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله من عشر ذى الحجة اهـ فيفهم أن الأعمال الصالحة فى هذه الأيام تزكو عند الله تعالى أكثر مما إذا عملت فى غيرها.