الدرس الرابع والعشرون
الكلام فى المعتزلة والمشبهة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
أما بعد فقد اختلف الناس فى المعتزلة فكفرتهم طائفة من العلماء على الإطلاق وقالت طائفة بترك تكفيرهم والصواب تكفير من ثبتت عليه قضية تقتضى تكفيره. فمن ثبت عليه أنه يقول إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية أى يبرزها من العدم إلى الوجود استقلالا أو مشاركة مع الله فهو كافر لأنه أشرك بالله، جعل صفة خاصة بالله لغيره. وكذلك من قال منهم بأن القرءان مخلوق وقال الله متكلم بخلق الكلام فى غيره ليس متكلما بكلام هو صفة قائمة بذاته فهو أيضا كافر. فإن قال قائل كيف يكفر هذا وثلاثة من الخلفاء العباسيين وافقوا المعتزلة فى القول بأن القرءان مخلوق ولم يكفرهم أحد من العلماء بل خاطب الإمام أحمد المعتصم منهم بقول يا أمير المؤمنين فالجواب أن هؤلاء الثلاثة ما كانوا يعتقدون أن الله ليس له كلام بمعنى صفة قائمة بذاته إنما أطلقوا هذا اللفظ القرءان مخلوق، بهذا وافقوهم ولم يوافقوهم فى المقالتين الأخريين القول بأن العبد يخلق أفعال نفسه والقول بأن الله متكلم بكلام يخلقه فى غيره ليس متكلما بكلام هو صفة لذاته فبطل احتجاج بعض الناس بقول أحمد للمعتصم يا أمير المؤمنين كمحمد سعيد البوطى فإنه احتج بذلك على نفى تكفير المعتزلة على الإطلاق. وكيف لا يكفرون على قولهم إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية وقد قالوا إن الله تعالى كان قادرا على أن يخلق أفعال العبد حركاته وسكناته قبل أن يعطى العبد القدرة عليها وبعد أن أعطى العبد القدرة عليها صار عاجزا، وهذا ثابت عنهم صرح بذلك الإمام عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادى والإمام أبو منصور الماتريدى والإمام أبو سعيد المتولى الشافعى والإمام أبو الحسن شيث بن إبراهيم وإمام الحرمين وغيرهم. أما أبو منصور البغدادى فقد قال ذلك فى كتابه الفرق بين الفرق، وأما أبو منصور الماتريدى فقد قال ذلك فى كتابه المسمى كتاب التوحيد، وأما أبو سعيد المتولى فقد ذكر ذلك فى كتابه الغنية، وأما شيث بن إبراهيم فقد ذكر ذلك فى كتابه حز الغلاصم وإفحام المخاصم، وأما إمام الحرمين فقد ذكر ذلك فى كتابه الإرشاد.
وأما قول الشافعى رضى الله عنه أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية فهو محمول على من لم تثبت فيه قضية تقتضى كفره بدليل أنه كفر حفصا الفرد المعتزلى فقال لقد كفرت بالله العظيم اهـ [رواه البيهقى فى مناقب الشافعى] فقال حفص الفرد بعد خروجه من المجلس الذى ناظر فيه الشافعى فقطعه الشافعى وغلبه أراد الشافعى ضرب عنقى اهـ [رواه البلقينى فى حواشى الروضة] فقول بعض الشافعية قول الشافعى لحفص لقد كفرت بالله العظيم مراده به كفران النعمة لا كفران الجحود فهو مردود كما قال الحافظ سراج الدين البلقينى فى حواشيه على روضة الطالبين رد فيها قول روضة الطالبين من أن المعتزلة تصح الصلاة خلفهم [وأما ما فى الروضة من القول بصحة الصلاة خلف المعتزلة فهو لأنه لا يحكم على كل فرد انتسب إليهم بالكفر فإن من الناس من انتسب إليهم من غير أن يعتقد مقالاتهم الكفرية وإنما اعتقد مقالات من مقالاتهم أقل ضررا ولم يرد صاحب الروضة أنه تصح الصلاة خلف من بلغ حد الكفر منهم. لكن عبارة الروضة توهم الإطلاق ولهذا ردها البلقينى]. قال البلقينى هذا خلاف ما عليه أكابر أصحاب الشافعى وهذا ما فهمه تلميذ الشافعى الربيع المرادى لأن عبد الرحمٰن بن أبى حاتم روى عن الربيع أن الشافعى كفره. وبيان ذلك أن المعتزلة ليسوا كلهم على عقيدة واحدة بل بعضهم يوافق بعضهم على بعض مقالاتهم ويخالفهم فى مقالات لهم أخرى كبشر الذى هو أحد رؤسائهم فلا يصح القول بتكفير كل المنتسبين إلى الاعتزال. وقد قال ثمامة بن أشرس أحد رؤساء المعتزلة إن المأمون لم يوافق على القول بخلق الأفعال اهـ ومجرد اللفظ بأن القرءان مخلوق لا يثبت كفره إلا إذا كان يعتقد أن الله ليس له كلام إلا هذا اللفظ الذى يخلقه. كيف واعتقاد أهل السنة المنزهين لله عن صفات الحدوث أن القرءان وغيره من الكتب السماوية المنزلة عبارة عن كلامه الذى هو صفة قائمة بذاته الذى ليس هو حرفا ولا صوتا الذى هو أزلى أبدى كسائر صفاته. لكن إطلاق القول بأن القرءان مخلوق حرام، لكن فى مقام تعليم علم الاعتقاد يقال عند أهل السنة إن القرءان بمعنى الكلام الذاتى النفسى القائم بذات الله قديم أزلى ليس مخلوقا أما اللفظ المنزل فهو مخلوق لله لأنه لو كان الله تبارك وتعالى يجوز عليه التلفظ بحروف القرءان كما يتلفظ به المؤمنون لجاز على الله كل الصفات الحادثة التى يتصف بها الخلق من حركة وسكون وانتقال وصعود ونزول وسهو وضعف ومرض إلى غير ذلك ولا يقول بذلك من يعرف الخالق من المخلوق.
ولا حجة لإطلاق بعض الشافعية المتأخرين القول إن الطوائف المبتدعة فى العقيدة لا يكفرون لأن هذا مخالف لقول السلف فقد نقل الإمام أبو جعفر الطحاوى عن السلف فى كتابه الذى سماه ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة قولهم ومن وصف الله بمعنى من معانى البشر فقد كفر اهـ والنطق بحروف متعاقبة يسبق بعضها بعضا ويتأخر بعضها عن بعض من صفات البشر. إذا قرأ أحدنا بسم الله الرحمٰن الرحيم سبقت الباء السين ثم السين سبقت الميم وهكذا ما بعده كل حرف سابق ما بعده والذى بعده متأخر عما قبله وهذا نطق والله لا يوصف بالنطق وما خالف هذا الذى نقله الحافظ أبو جعفر الطحاوى فهو مردود، وكذلك الجسمية ولوازمها فمعتقدها فى حق الله تعالى كافر. ومعتقد السلف كما نقل أبو جعفر الطحاوى أن الله يتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأدوات ولا تحيط به الجهات الست كسائر المبتدعات. فليحذر ما فى كتاب الاقتصاد فى الاعتقاد من القول بأن كل الفرق المبتدعة فى العقيدة من المنتسبين إلى الإسلام لا يكفرون فإن ذلك مصادم للنص القرءانى فى سورة الشورى ﴿ليس كمثله شىء﴾ فمن اعتقد الله جسما لطيفا أو كثيفا فقد جعل له أمثالا كثيرة كالنور والظلام من الأجسام اللطيفة والنجم والشمس والقمر والإنسان من الأجسام الكثيفة وقد ذكر الله فى القرءان أن الأجسام اللطيفة والأجسام الكثيفة مخلوقات حادثة. قال الله تعالى فى سورة الأنعام ﴿الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾. أخبر فى هذه الآية بأن الأجسام اللطيفة والكثيفة حادثات لم تكن موجودة ثم صارت موجودة بإيجاده وخلقه. وكذلك يستحيل على الله لوازم الجسمية من التحيز فى المكان والصغر والكبر والتحول من صفة إلى صفة وكل ذلك منفى عن الله بهذه الآية ﴿ليس كمثله شىء﴾ فأما من ينفى عن الله بعض صفات الخلق ويثبت له بعضها فهو مخالف للعقل والنقل فلو كان يجوز على الله الجسمية والمقدار واللون والحرارة والبرودة والانفعال لكان ذلك نقضا للدليل العقلى القاضى بأن الشمس والقمر والنجوم وغيرها لا تصلح للألوهية، لا يستقيم هذا الدليل العقلى القاطع إلا على مذهب أهل السنة الذين ينفون عن الله هذه الصفات القائمة بالمخلوق لأنه لو كان حجما مخصوصا لجازت الألوهية للشمس لكن أهل الحق المتمسكين بذلك الدليل العقلى يبطلون ذلك بقولهم الشمس لها حجم مخصوص ولون مخصوص وصفات مخصوصة كالحرارة والتحيز فى الفضاء الذى هو مكانها يبطلون عقيدة عبادها بكون اعتقادهم الألوهية للشمس باطلا مخالفا للعقل. نبطل اعتقادهم من دون أن نورد عليهم الدلائل القرءانية كقوله تعالى فى سورة الأنبياء ﴿وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر﴾ الآية. فإذا كانت الشمس يمنع الدليل العقلى دعوى ألوهيتها مع أن الشمس حجم كبير كثيرة النفع للخلق فكيف يستجيز العاقل أن يكون الله تعالى حجما قاعدا على العرش أو متحيزا فوق العرش من دون القول بأنه قاعد.
ثم فى القرءان الكريم ما يدل على أن ألفاظ القرءان لا يجوز أن تكون منطوقة لله تعالى. قول الله تعالى فى سورة التكوير ﴿إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين﴾.
الرسول الكريم هو جبريل باتفاق المفسرين فلما كان القرءان مقروءه عبر القرءان بهذه العبارة ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ ليفهمنا أن القراءة المعهودة وهى إيراد الكلمات بصوت وحروف متعاقبة هو من صفة جبريل ليس من صفة الله، ومع هذا يجوز إطلاق القرءان كلام الله بمعنى أن هذا اللفظ هو عبارة عن كلام الله الذى هو صفته القائم بذاته كحياته ليس على أن الله تعالى قرأه على جبريل كما يقرأ الأستاذ على الطالب.
ومما يدل على أن كلام الله ليس بصوت وحروف أنه لم يرد فى الكتاب ولا فى السنة أن الله ينطق ولا ورد فى أسمائه الناطق إنما الذى ورد فى حقه تعالى الكلام والقول وهما مترادفان فما كان من الكلام والقول للمخلوق فقد يكون بالحرف والصوت وما كان لله فبخلاف ذلك لأنه لا يجوز على الله أن لا يشابه خلقه فى شىء ويشبههم فى شىء ءاخر لذلك وردت الآية بلفظ النكرة فى معرض النفى، فشىء الوارد فى هذه الآية ﴿ليس كمثله شىء﴾ يشمل كل أجناس الخلق الحجم وصفات الحجم. فالآية نزهت الله تعالى عن أن يكون حجما أو صفة حجم وهذا معنى كلام المتكلمين فى علم كلام أهل السنة إن الله ليس جوهرا ولا عرضا فقولهم هذا شرح للآية ليس إلا. أما المشبهة فقد جعلت الله تعالى حجما وأثبتت له مع ذلك صفات الحجم حيث إنه عندهم حجم لطيف عند من قال منهم إنه نور يتلألأ وحجم كثيف عند من قال منهم إنه حجم قاعد على العرش أو قال هو حجم متحيز فوق العرش بدون وصفه بالقعود وكلا الفريقين مخالف للآية لكن الفريق الذى أثبت له القعود أنحس وأنجس لأن هؤلاء الذين وصفوه بالقعود على العرش وصفوه بصفة يشترك فيها ذوو العقول الملائكة والإنس والجن وغيرهم من البهائم والطيور وكلا الفريقين جاهل بخالقه فلو ناظرهم عابد الشمس لم يستطيعوا أن يقيموا عليه حجة عقلية لأنه لا يقبل الحجة النقلية لا يقبل القرءان لأنه يقول أنا لا أؤمن بكتابكم أعطونى دليلا عقليا على أن الشمس لا يصح أن تكون إلها من حيث العقل وأن ما تزعمونه من وجود جسد قائم فوق العرش أو مستقر يستحق الألوهية حق. وأما أهل السنة فإن لهم جوابا حجة عقلية يقطعون عابد الشمس بها، يقولون له معبودك هذا الشمس حجم مخصوص له شكل مخصوص وصفة مخصوصة وحيز مخصوص فكيف تخصص بهذه الصفات دون غيرها فإن قال هى خصصت نفسها بهذا الحجم وهذه الصفة، قيل له يستحيل عقلا أن يخصص الشىء نفسه بحجم مخصوص وصفات مخصوصة دون غير ذلك الحجم وتلك الصفات إنما الذى خصصها بالوجود على هذا الحجم المخصوص وتلك الصفات المخصوصة موجود ليس حجما لا يتصف بصفات حادثة فهو الذى يصح عقلا أن يكون موجودا خالقا للشمس وغيرها من الأجسام والأعراض أى الصفات التى تقوم بالأجسام عندئذ لا يجد عابد الشمس جوابا بل ينقطع. ولله الحمد أن وفق أهل السنة الذين جمعوا بين التنزيه والإثبات لهذه الحجة العقلية مع الحجج القرءانية والحديثية. أما الحجة القرءانية فتكفى هذه الآية التى مر ذكرها، وأما الحجج الحديثية فمنها حديث البخارى كان الله ولم يكن شىء غيره اهـ إذ من المعلوم يقينا أنه لم يكن فى الأزل حجم لطيف ولا حجم كثيف ولا صفاتهما فوجب من ذلك أن الله تعالى ليس حجما متصفا بصفات الحجم وهذه حجة ظاهرة كالشمس لكن من أقفل الله قلبه لا يفهمها.