الخميس فبراير 19, 2026

الدرس التاسع عشر

الهم والعزم

 

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

     أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة الأنعام ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾.

     قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى إذا هم عبدى بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وإذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة فإن تاب منها فامحوها عنه اهـ رواه ابن حبان [فى صحيحه] من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.

     الهم هو ما دون التصميم إذا قال العبد فى نفسه أفعل هذا الشىء أو لا أفعل تردد مع ترجيح جانب الفعل هذا هو الهم وأما التصميم هو الجزم. إذا الإنسان أراد أن يعمل حسنة ولم يصمم لكن رجح جانب الفعل هذا الأمر يكتب له حسنة واحدة قبل أن يعملها، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف أى يزيد الله تبارك وتعالى من شاء على العشرة إلى سبعمائة، أما السيئة إذا لم يصمم لكن رجح جانب الفعل، مال إلى الفعل من غير أن يصمم تصميما فقبل أن يفعلها لا تكتب عليه فإن فعلها تكتب عليه سيئة واحدة. الله تعالى قال للملائكة فإن تاب منها أى إن عملها ثم تاب منها فامحوها عنه، هذا من فضل الله أن المسلم إذا عمل معاصى ثم تاب منها لا يجدها فى كتابه يوم القيامة لا يراها، لا يرى تلك التى تاب منها فى كتابه الذى يعطاه يوم القيامة إنما يرى السيئة التى مات ولم يتب منها، يجد فى كتابه السيئات التى مات ولم يتب منها أما التى تاب منها مهما كانت كبيرة لا يراها لأنه لو رءاها لساءته.

     ما تقدم من أن الهم بالسيئة لا يكتب وأن الهم بالحسنة يكتب حسنة واحدة هذا فى حال الهم إذا كان هما فقط ولم يكن تصميما أما إذا كان تصميما فالحسنة يكون ثوابها أكبر، إذا صمم أن يعمل عملا من الطاعة ثم لم يعملها يكون أقوى ثوابا مما إذا هم فقط.

     أما بالنسبة للسيئات للمعاصى من صمم ولم يفعل تكتب عليه، أما ما لم يصمم لكن مال إلى الفعل هذه لا تكتب عليه ما لم يعملها، إذا رجح أنه يفعلها ما لم يعملها لا تكتب عليه فإن عملها تكتب عليه السيئة سيئة واحدة أما التصميم فيكتب على الإنسان. فإذا وصل إلى الجزم تكتب عليه لكن أقل مما إذا نفذها، صمم على المعصية ثم لم يفعلها كتبت عليه لكنها ليست كما إذا نفذها وعملها بل يكتب عليه إثم أقل مما إذا عملها، تكون معصيتها أقل مما إذا عملها لأنه ورد فى الحديث أن الرجل الذى يتمنى أنه لو أعطى من المال كذا وكذا فإنه يعمل بهذا المال مثل ما يعمل فلان من الفجار بماله من المعاصى فإنه يكون مثل ذاك عاصيا.

     وقال بعض العلماء المعصية لو صمم لا تكتب عليه لو عزم فعندهم كلمة من هم تشمل العزم وما دون العزم عندهم ما لم يعمل بيده بجوارحه لا تكتب عليه وهؤلاء يتمسكون بحديث صحيح الإسناد رواه البخارى ومسلم وغيرهما إن الله تجاوز لى عن أمتى ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلموا اهـ يعنى أن المسلم من أمة محمد ﷺ إذا هم أو عزم على معصية لا تكتب عليه ما لم يعمل بمثله، احتجوا بهذا الحديث هؤلاء الذين قالوا إن الهم والعزم على المعصية لا يكتب إلا إذا عملها.

     وأما على الحديث المشهور الصحيح إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار اهـ [رواه البخارى] كل منهما عزم وتحرك حمل السيف ومشى، إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار كل منهما قصد أن يضرب الآخر وحمل السيف كلاهما والتقيا وقتل أحدهما الآخر فكلاهما يستحقان النار القاتل يستحق النار والمقتول يستحق النار لأن كل واحد منهما قصد أن يضرب أخاه ظلما ولا يخلدان فى النار إنما معنى قوله عليه الصلاة والسلام فى النار أنهما يستحقان دخول النار. قيل هذا القاتل يا رسول الله فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه اهـ كان مصمما على أن يقتل الآخر، على حسب نيته كان قصده أن يقتل الآخر فكلاهما يستحق النار لكن عذاب القاتل أشد بكثير، كلا الرجلين قصد قتل أخيه المسلم ظلما هذا ذهب وهو يحمل السيف وهذا ذهب وهو يحمل السيف وكل نيته أن يقتل صاحبه، أما إذا كان أحدهما فى مكان ولم يذهب إلى أخيه إنما الآخر جاء ليقتله فدافع هذا عن نفسه ما وجد مخلصا منه إلا بضربه دفاعا عن نفسه فليس عليه ذنب، لأنه ما قصد أن يقتله ظلما، ما طلبه ليقتله ظلما، جاء الآخر ليقتله أو جاء ليأخذ ماله فدافع، حيث إنه لا يجد منه مخلصا إلا بالضرب للدفاع عن نفسه. أما إذا كان أحدهما جاء ليأخذ مال المسلم وكان لو انتبه له صاحب المال يهرب فهو لا يريد أن يقاتل جاء ليأخذ المال ثم لما شعر به صاحب المال هرب فإذا صوب إليه رصاصا فقتله يكون هذا الذى قتله يستحق النار لأن هذا اللص ما قاتله ليس متسلحا إنما ظن المكان خاليا فدخل ليسرق وهو لا يريد أن يقاتل فهرب، لم يقتله، أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لم يقتله وقد أعرض عن ماله. أما إذا قال له حط المال فقال لا أحطه فأراد السارق أن يأخذ المال منه بالقوة وكان لا يستطيع الدفع عن ماله إلا بالقتل عندئذ يجوز قتله، وإذا كان السارق مصرا على أن يذهب بهذا المال مهما اقتضى الأمر فخنقه صاحب المال فقتله بالخنق لأنه مصمم أن يذهب بهذا المال فليس عليه ذنب طالما لا يجد طريقة أخرى لمنعه من ذلك.