الدرس السادس عشر
فضل التقوى والعلم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه أجمعين.
أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة الحجرات ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ هذه الآية الكريمة تبين أن الفضل عند الله بالتقوى والتقوى هى ملازمة طاعة الله تعالى بأداء الواجبات واجتناب المحرمات.
قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ فمن أدى الواجبات واجتنب المحرمات فهو التقى. وهو من أكرم عباد الله على الله. وقد كان سيدنا محمد ﷺ أكرم الخلق على الله تعالى وأتقاهم وأخشاهم له كما قال ﷺ أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له اهـ رواه البخارى. والتقوى منبعها القلب ثم يفيض أثرها على الجوارح فإن القلب من الجسد بمثابة الملك من الرعية. القلب أمير على كل الجوارح من اليدين والعينين واللسان والرجلين وغيرها، كلها تحت إمرة القلب فإذا صلح القلب صلحت الجوارح وإذا استقام القلب استقامت الجوارح.
وقد جاء فى صحيح ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنهما أنه قال قال رسول الله ﷺ إن أولى الناس بى المتقون من كانوا وحيث كانوا اهـ فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن أقرب الناس إليه أى أحبهم إليه هم المتقون أى المؤمنون الذين يتقون الله يؤدون الواجبات ويجتنبون المحرمات. من كانوا أى من أى ألوان البشر كانوا وحيث كانوا أى وفى أى مكان كانوا فلو كان التقى بعيدا عن الرسول بالمسافة إلا أنه قريب منه القرب المعنوى فهو أولى برسول الله من العاصى المجاور له ﷺ وقد قال رسول الله ﷺ اتق الله حيثما كنت اهـ رواه الترمذى [فى سننه]. فعلى الإنسان أينما كان أن يتقى الله بأن يؤدى ما افترض الله عليه ويجتنب ما حرم الله عليه فإذا فعل ذلك فهو بخير، وعلو المرتبة عند الله تعالى ليس بقرب الديار من رسول الله ﷺ ولا بقرب النسب إنما بكون الإنسان مؤمنا تقيا يؤدى الواجبات ويجتنب المحرمات وبهذا يضمن لنفسه الوقاية من نار جهنم قال الله تعالى فى سورة التحريم ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ ولا سبيل للمؤمن لأداء الواجبات واجتناب المحرمات إلا بأداء فرض هو من جملة الواجبات التى أمر الله تعالى بها ألا وهو تعلم العلم الشرعى أى القدر الواجب الضرورى من علم الدين الذى لا يجوز لكل مكلف جهله ولا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلمه. إن قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ فيه الحث على وقاية النفس والأهل من النار والسبيل إلى ذلك أن نتعلم ونعلم أهلينا الأمور الدينية، فإذا تعلم المسلم من علم الدين القدر الضرورى الذى لا بد منه لكل مسلم بالغ عاقل ثم طبق ذلك كان عاملا بهذه الآية ويكون قد وقى نفسه أى حفظ نفسه وأهله من عذاب النار، أما إذا أهمل التعلم فإنه لا يدرى ما يصلحه مما يفسده فيقع من حيث لا يدرى فى المهالك ويعمل أعمالا يظن أنها من أعمال أهل النجاة وهو عند الله تعالى ليس له من ذلك العمل حسنة بل هو ءاثم لدخوله فى الأمور من غير أن يعلم ما أحل الله منها مما حرم فمن لم يتعلم أركان وشروط ومبطلات الصلاة مثلا قد يحصل منه ما يفسد صلاته من غير أن يعلم فيظن أنه صلى صلاة صحيحة وهى عند الله فاسدة لا تبرأ ذمته منها ويسأل عنها يوم القيامة. وقد قال رسول الله ﷺ صلوا كما رأيتمونى أصلى اهـ رواه البخارى. ولا سبيل لمعرفة كيف كان رسول الله ﷺ يصلى إلا بالتعلم.
نحن المسلمين ينبغى أن نتمسك بهذا الدين العظيم الذى ارتضاه الله لنا بما يعود علينا بالخير والصلاح فى الدنيا والآخرة وأن نتفقه ونتزود من الأحكام الشرعية حتى نفيد أنفسنا ونفيد مجتمعنا وأمتنا ونكون على حذر وانتباه وإدراك.
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إلا التى كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه
وإن بناها بشر خاب بانيها
إن تعلم علم الدين من عالم ثقة ورع ناصح لا يؤدى إلى البله والجنون إذ لو كان الأمر كذلك لكان الصحابة أول من جن لأنهم أفقه أمة النبى محمد ﷺ بل إن تعلم العلم الشرعى يصقل العقول وينور القلوب وما أجدر الآباء والأمهات أن يحثوا أولادهم على ذلك حتى يشبوا على طاعة الله بدل أن يهتموا بدراستهم الدنيوية فقط وما أجدر الشباب أن يقبلوا على علوم الدين والنهل منها ليعظم زادهم للآخرة وليبتعدوا عن وحول الخطايا. إن عزتنا وكرامتنا وتقدمنا ونجاتنا هى فى تمسكنا بديننا وتعاليم الرحمة المنزلة على رسول الله ﷺ جزاه الله عنا أحسن الجزاء ورضى الله عن سيدنا عمر حيث قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.