الخميس فبراير 19, 2026

الدرس الخامس عشر

شرح حديث

إن الله يبغض كل جعظرى

 

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

     أما بعد فقد روينا بإسناد متصل صحيح فى صحيح ابن حبان رحمه الله أن نبى الله قال إن الله يبغض كل جعظرى جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عارف بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة اهـ سمى رسول الله ﷺ فى هذا الحديث أناسا وصفهم بهذه الصفات، الصفة الأولى أن يكون المرء جعظريا وهو الرجل المستكبر. وأما الجواظ فهو الجموع المنوع أى الذى يحرص على جمع المال بنية فاسدة وهى أن يكون جمعه للمال حبا بالمال من حيث ذاته ليتوصل لإشباع شهواته المحرمة وليفخر ويتكبر على عباد الله، ليس يجمع المال من طريق الحلال ليصرفه فيما أحل الله لأن الذى يجمع المال ليصرفه بالحلال لا ليفخر به على الناس ولا ليبطر به بطرا ولا ليتوصل به إلى الشهوات المحرمة فإن ذلك ليس بمذموم لأن رسول الله لم يذم المال ذما مطلقا ولا مدحه مدحا مطلقا، المال منه ما يذم ومنه ما يمدح فالمال المذموم هو المال الذى يجمعه المرء من حرام فلا يبالى جامعه من حلال أخذه أم من حرام أو يجمع المال ليقضى به شهواته المحرمة أى ليشبع نفسه من شهواته المحرمة أو ليفخر به على الناس أو ليتكبر فهذا هو المال المذموم، وأما المال الذى يجمعه المرء المسلم من حلال بنية أن يستر به نفسه أو ينفع به نفسه أو غيره أو ينفقه على أولاده وعلى أبويه وغيرهما من أقاربه بغير نية التوصل إلى الفخر والتكبر على الناس فإن ذلك المال ليس بمذموم ودليلنا على ذلك ما رواه الإمام أحمد وابن حبان بالإسناد الصحيح أنه قال لعمرو بن العاص نعم المال الصالح للرجل الصالح اهـ [رواه أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه] والمال الصالح هو المال الذى يجمعه المرء ويكتسبه بطريق حلال، وأما الرجل الصالح فهو الإنسان المؤمن الذى يقوم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد، يعرف ما افترض الله عليه ويؤديه ويعرف ما حرم الله عليه ويجتنبه، يصلى كما أمر الله ويصوم كما أمر الله ويزكى كما أمر الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من جملة الفروض التى افترضها الله على عباده وذلك شأن من مدحهم الله تعالى بقوله فى سورة ءال عمران ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ أمة محمد ﷺ هم أفضل أمم الأنبياء هم أكثر أولياء وعلماء وفقهاء حتى إن المسيح عليه الصلاة والسلام قال عن أمة سيدنا محمد علماء حلماء بررة أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء اهـ رواه أبو نعيم فى الحلية، والله تبارك وتعالى وصف هذه الأمة المحمدية بأن من شأنهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان فيما مضى من الزمان أناس محققون لهذه الصفة وأما اليوم فقد قلوا ومع ذلك لا تخلو الأمة منهم لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بذلك، وروينا فى صحيح ابن حبان أيضا أنه ﷺ قال ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر اهـ [ورواه البيهقى فى شعب الإيمان] فما لم تتحقق له هذه الصفات الأربعة لا يكون المسلم كاملا فى الدين.

     فقوله إن الله يبغض كل جعظرى فيه ذم للمتكبر فإذا جمع مع صفة الجعظرى أن يكون جواظا وهو من جمع المال لا يبالى إن جمعه من حلال أو حرام ويبخل عن دفع المال فى ما أمر الله تعالى بالإنفاق فيه فقد ارتفع فى الشر والفساد. ثم إن زاد على ذلك أن يكون سخابا بالأسواق أى أنه من شدة حرصه على المال يكثر الكلام فى سبيل جمع المال وأن يكون جيفة بالليل أى يستغرق ليله بالنوم ولا يهتم بأن يكسب فى ليله من الصلوات وحمارا بالنهار أى أن همه التفنن بالأكل والإكثار من الملذات وينشغل بذلك عن القيام بما افترضه الله عليه. ثم إذا انضاف إلى ذلك الوصف الأخير وهو أن يكون عارفا بأمر الدنيا جاهلا بأمر الآخرة فقد تزايد شره. فمن هنا يعلم أن من ءاتاه الله المال وكان عارفا بطرق جمع المال وهو جاهل بأمور الدين أى بما افترض الله عليه معرفته من علم الدين فهو من شر خلق الله.

     ثم لا سبيل إلى أداء ما افترض الله واجتناب ما حرم الله إلا بمعرفة العلم الضرورى من علم الدين الذى قال فيه رسول الله طلب العلم فريضة على كل مسلم اهـ [رواه ابن ماجه فى سننه والبيهقى فى شعب الإيمان] فمن أعرض عن التعلم يهلك وهو لا يشعر فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة لم يغفلوا بيان هذه الأشياء فليتق الله امرؤ ءامن بالآخرة.

     روينا فى صحيح البخارى من قول على بن أبى طالب رضى الله عنه قال ارتحلت الدنيا وهى مدبرة وارتحلت الآخرة وهى مقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا اليوم العمل ولا حساب وغدا الجزاء ولا عمل اهـ [رواه البخارى].