الخميس فبراير 19, 2026

الدرس التاسع

حسن الخلق وتقسيم البدعة

 

     الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الأكرمين.

     أما بعد فإن الله تبارك وتعالى أنزل فى كتابه المبين قوله تبارك وتعالى فى سورة الأعراف ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. قال تعالى ﴿وأمر بالعرف﴾ والعرف هو المعروف وهو كل ما فرض الله تعالى فعله أى كل الواجبات الدينية. ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أمر تبارك وتعالى بالإعراض عن الجاهلين أى بالإعراض عن لغوهم. وهكذا كان خلق رسول الله ﷺ.

     روى البخارى [فى الأدب المفرد] من حديث عائشة رضى الله عنها قالت فى وصف رسول الله كان خلقه القرءان اهـ [ورواه أحمد فى مسنده] يعنى أن من أراد أن يعرف خلق رسول الله فليقرإ القرءان وليفهمه، ومن الأخلاق التى جاء بها القرءان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والصبر على الأذى أى تحمل أذى الغير وكف الأذى عن الغير. أخرج أبو بكر الخلال فى كتابه مكارم الأخلاق أن النبى قال كنت بين شر جارين عقبة بن أبى معيط وأبى لهب كانا يرميان بما يخرج من الناس على بابى اهـ أى أنه ﷺ كان يتحمل أذاهما مع أنه كان أشجع خلق الله على الإطلاق وكان أوتى من القوة البدنية قوة أربعين رجلا ومع كل ذلك كان خلقه العفو والصفح. وأما ما يرويه بعض الناس أن رسول الله كان اليهود يرمون الزبالة على بابه ثم ذات يوم لم ير ذلك فتفقدهم فهو كذب وافتراء ليس له أصل فى كتب السنة المطهرة.

     ثم إن رسول الله ﷺ كما كان العفو والصفح خلقه والصبر شيمته وتحمل الأذى من الغير دأبه وحاله كان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما حض أمته على العفو والصفح وتحمل الأذى.

     قال ﷺ ما شىء أثقل فى الميزان أى فى ميزان الآخرة الذى يوزن به أعمال العباد من حسن الخلق اهـ [رواه أبو داود فى سننه] وحسن الخلق عبارة عن تحمل أذى الغير وكف الأذى عن المسلمين وبذل المعروف أى أن يحسن المؤمن إلى الذى يحسن إليه والذى لا يحسن إليه.

     روينا فى صحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر عن النبى ﷺ أنه قال ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه اهـ ولا أدب أحسن من أدب رسول الله ﷺ جزاه الله أحسن الجزاء عن أمته فإن تعويد النفس على تحمل أذى الغير يكون وسيلة إلى الدرجات العلى وهو عظيم النفع فى معاملة الناس بعضهم بعضا فإن من كف نفسه عند الغضب أنقذ نفسه من مهالك كثيرة.

     روينا فى جامع الترمذى بإسناد صحيح عن النبى ﷺ من كظم غيظا وهو قادر أن ينفذه خيره الله تعالى من الحور العين ما شاء اهـ فكم من أناس ليس لهم كثير صلاة من النفل ولا كثير صيام من النفل تعادل درجتهم يوم القيامة درجات الصوامين القوامين الذين لا يتحلون بحسن الخلق فمن تمكن فى أداء الواجبات واجتناب المحرمات كان من خيار عباد الله ولو كان قليل الاجتهاد فى النوافل فالقليل من العمل الموافق لسنة رسول الله ﷺ خير من العمل الكثير المخالف لما جاء به رسول الله . روينا من حديث الحسن البصرى مرسلا قليل من العمل فى سنة خير من كثير فى بدعة اهـ [رواه البيهقى فى شعب الإيمان] يعنى أن الإنسان إذا عمل قليلا من العمل الصالح على وفاق ما جاء عن رسول الله ﷺ فذلك خير من الذى يجتهد فى كثير الأعمال من غير مراعاة موافقة ما جاء عن رسول الله .

     والمراد بالبدعة فى هذا الموضع ونحوه هى البدعة المخالفة للكتاب والسنة والإجماع وأثر الصحابة. ومن الذى يميز بين بدعة الضلالة وبين ما ليس بدعة الضلالة، هم علماء أهل السنة المتمكنون فى العلم فهم بما ءاتاهم الله تعالى من المعرفة بدينه ومن الفهم بكتابه وسنة نبيه على ما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان يميزون بين بدعة الضلالة وبين البدعة المستحبة، أما من قصر عن ذلك فحظه أن يتبع أئمة الهدى فما استحسنوه ورأوه موافقا لشرع رسول الله أخذ به وما لم يستحسنوه نبذه.

     قال الإمام المطلبى القرشى محمد بن إدريس الشافعى رضى الله عنه البدعة على ضربين بدعة ضلالة وبدعة هدى، وبدعة الضلالة ما كان على خلاف الكتاب والسنة والإجماع والأثر وأما ما لم يخالف ذلك فليس بدعة ضلالة اهـ [رواه البيهقى فى كتاب مناقب الشافعى].

     هو رسول الله ﷺ شرع لأهل العلم من أمته أن يسنوا ما رأوه موافقا لكتاب الله وسنة نبيه ، قال من سن فى الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شىء اهـ رواه مسلم وغيره [رواه ابن حبان فى صحيحه] فكل شىء رأى العلماء من أهل الحق، من أهل السنة والجماعة العارفين بالخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ما رءاه أولئك موافقا لشرع الله فهو داخل تحت قوله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها اهـ الحديث وأما من كان قصير الباع فى علم الدين لا يعرف العام من الخاص فإنه إذا أطلق لسانه فى التصرف فإنه يكون خاطر بنفسه. فمن البدعة الحسنة زيادة أذان صلاة الجمعة زاد ذلك عثمان بن عفان [رواه البخارى]. ولم يكن ذلك فى عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر إنما كان أذان واحد فرأى عثمان فى عهده زيادة أذان فاستحسنه الصحابة ولم يستنكر ذلك أحد منهم ثم استمر ذلك مقبولا بين الأمة إلى عصرنا هذا.