تفسير سورة المسد
سورة المسد
مكية وهي خمس ءايات
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة المسد
تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5)
- {تبت يدا أبي لهب} التباب: الهلاك، والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى أخذ حجرا ليرمي به رسول الله ﷺ {وتب} وهلك كله أو جعلت يداه هالكتين والمراد هلاك جملته كقوله تعالى: {بما قدمت يداك}([1]) [الحج: 10]، ومعنى {وتب}: وكان ذلك حصل، [فيكون الأول دعاء والثاني خبرا بمعنى: وقد تب، أي أهلكه الله وقد هلك].
روي أنه عليه الصلاة والسلام لما نزل: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] رقي الصفا([2]) وقال: «يا صباحاه»، فاستجمع إليه ناس من كل أوب([3]). فقال عليه الصلاة والسلام: «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر([4]) إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا([5]) أكنتم مصدقي» قالوا: نعم. قال: «فإني نذير لكم بين يدي الساعة([6])»، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا، فنزلت، وإنما كناه – والكنية تكرمة([7]) – لاشتهاره بها دون الاسم، أو لكراهة اسمه؛ فاسمه عبد العزى، أو لأن مآله إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته.
- {ما أغنى عنه ماله وما كسب} أي: لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه، والذي كسبه بنفسه، أو ماله التالد والطارف([8])؛ [والمعنى أنه لا ينفعه كل أمواله التي جمعها ولا تدفع عنه العذاب والذل النازلان به]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما كسب: ولده، [وكان يفتخر بماله وولده – وكان له خمسة بنين -] وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي([9]) حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي.
- {سيصلى نارا} سيدخل [في الآخرة نار جهنم]، والسين للوعيد أي: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته {ذات لهب} توقد.
- {وامرأته} [أي هو وامرأته، و] هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان {حمالة الحطب} كانت تحمل حزمة من الشوك فتنثرها بالليل في طرق رسول الله ﷺ، وقيل: كانت تمشي بالنميمة فتشعل نار العداوة بين الناس، ونصب عاصم: {حمالة الحطب} على الشتم([10])، وأنا أحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله بجميل من أحب شتم أم جميل([11]).
- {في جيدها حبل من مسد} الـمسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا من ليف كان أو جلد أو غيرهما، والمعنى: في جيدها([12]) حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون تحقرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها، وهما في بيت العز وفي منصب الثروة والجدة([13]).
([1]) المراد نفسه؛ أي بما قدمت، وقد يعبر عن النفس باليد ويخص اليدان بالذكر لأن العمل أكثر ما يكون بهما، فيراد جزاء عمله.
([2]) الصفا: جبل عند الكعبة، داخل في نسك الحج والعمرة الآن ردم أسفله فصار مع جبل الـمروة كأنهما على استواء واحد لم يبق منهما إلا رأسهما.
([3]) استجمع أي: اجتمع إليه ناس من كل طريق وناحية: والعرب ينادون يا صباحاه للإنذار من شيء قد يصيبهم كغارة العدو عليهم، التي تكون في الغالب في الصباح.
([4]) هو جد من أجداد النبي عليه السلام بعيد. والمعنى أنه ﷺ صار ينادي أفخاذ عشيرته يا بني فلان يا بني فلان.
([5]) أي: خلف هذا الجبل في أصله من الجهة الأخرى خيلا تريد الغارة عليكم.
([6]) أي: قبل قدوم الساعة، أي: أنذركم قبل مجيء يوم القيامة.
([7]) أي: في الأصل، وليس ذلك مرادا هنا.
وكان يلقب بأبي لهب لحمرة في وجهه.
([8]) المال التالد: المال القديم الأصلي الذي ولد عندك ونتج، بخلاف الطارف وهو المستحدث والمستفاد، فالأول كرأس المال، والثاني كالربح.
([9]) أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام غير الشقيق، أخ أبيه عبد الله من غير أمه.
([10]) وقرأ الباقون بالرفع (حمالة الحطب) وهو على خبر الابتداء.
([11]) مراده أن من أحب القراءة بالفتح؛ أي: حمالة الحطب، أي: أخص بالشتم حمالة الحطب كان متقربا إلى الرسول بشتم أم جميل التي هي زوجة أبي لهب عمه، وليس ذلك من الطعن برسول الله ﷺ في شيء، بل هو تقرب جميل حسن منه عليه الصلاة والسلام.
