تفسير سورة الممتحنة من الآية واحد إلى الآية عشرة
سورة الممتحنة
مدنية وهي ثلاث عشرة ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الممتحنة من الآية واحد إلى الآية عشرة
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10)
روي أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها: «أفمهاجرة جئت؟» قالت: لا. قال: «فما جاء بك؟» قالت: احتجت حاجة شديدة، فحث عليها بني عبد المطلب، فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا، واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته: «من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أن رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم». فخرجت سارة، ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والـمقداد وأبا مرثد وكانوا فرسانا، وقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ([1])، فإن بها ظعينة([2]) معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها». فأدركوها، فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ﷺ، وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص([3]) شعرها. فاستحضر رسول الله ﷺ حاطبا وقال: «ما حملك عليه؟» فقال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت([4])، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش([5])، ولم أكن من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا([6])، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا. فصدقه وقبل عذره، فنزل:
- {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [أعوانا توادونهم وتناصحونهم] وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان {تلقون إليهم بالمودة} تلقون إليهم أخبار رسول الله ﷺ بسبب الـمودة التي بينكم وبينهم {وقد كفروا بما جاءكم من الحق} دين الإسلام والقرءان أي لا تتولوهم ولا توادوهم وهذه حالهم [ولا يناسب الكافر بالله أن يود] {يخرجون الرسول وإياكم} من مكة لكفرهم وعتوهم {أن تؤمنوا بالله ربكم} لإيمانكم [بربكم] {إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي} متعلق بـ{لا تتخذوا} أي: إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي {وابتغاء مرضاتي} ومبتغين مرضاتي [فلا تفعلوا هذا، فإنه لا يليق بكم]، أي لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي {تسرون إليهم بالمودة} تسرون إليهم أسرار رسول الله بسبب المودة {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} والمعنى: أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون {ومن يفعله} أي: هذا الإسرار {منكم فقد ضل سواء السبيل} فقد أخطأ طريق الحق والصواب.
- {إن يثقفوكم} إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم {يكونوا لكم أعداء} خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} بالقتل والشتم {وودوا لو تكفرون} وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فإذا موادة أمثالهم خطأ عظيم منكم، والماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع ففيه نكتة، كأنه قيل: ودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين، من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أهم شيء عند صاحبه.
- {لن تنفعكم أرحامكم} قراباتكم {ولا أولادكم} الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم، ثم قال: {يوم القيامة يفصل بينكم} وبين أقاربكم وأولادكم، {يوم يفر المرء من أخيه} الآيات [عبس: 34]، فما لكم ترفضون حق الله مراعاة [لمن] يفر منكم غدا([7]) {والله بما تعملون بصير} فيجازيكم على أعمالكم.
- {قد كانت لكم أسوة} قدوة {حسنة في إبراهيم} في أقواله {والذين معه} من المؤمنين، [وقيل: هم سائر الأنبياء. لما نهى عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن من سيرته التبرؤ من الكفار ليقتدوا به في ذلك ويتأسوا] {إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} [أي: بدينكم وبمعبودكم، فلا نعتد بشأنكم وبمعبوداتكم] {وبدا بيننا وبينكم العداوة} [وظهر بيننا وبينكم العداوة] بالأفعال {والبغضاء} بالقلوب {أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} فحينئذ نترك عداوتكم {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} [أي: لم يكن بينهم وبين قومهم الكفار مودة إلا ما قال إبراهيم لأبيه ءازر: {لأستغفرن لك} أي: لأسألن الله تعالى أن يغفر لك، أي: بهدايتك ودخولك في الإسلام] {وما أملك لك من الله من شيء} من هداية ومغفرة وتوفيق {ربنا عليك توكلنا} هو من جملة الأسوة الحسنة، وقيل: معناه: قولوا ربنا، فهو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه {وإليك أنبنا} أقبلنا [إليك بالطاعة] {وإليك المصير} المرجع.
- {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} لا تسلطهم علينا فيفتنونا [عن ديننا]، أو لا تظهر عدونا علينا فيفتتن بنا الكفار فيروا أنهم على حق وأننا على باطل] {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} الغالب [الذي لا يغالب، الحكيم في أقواله وأفعاله].
- {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة} ثم كرر الحث على الائتساء([8]) بإبراهيم عليه السلام وقومه تقريرا وتأكيدا عليهم، [وبين أن هذا النفع يقع] {لمن كان يرجو الله} أي: ثوابه، أي: يخشى الله {واليوم الآخر} [أي: يرجو الله أن يثيبه فيدخله الجنة يوم القيامة] {ومن يتول} يعرض عن أمرنا ويوال الكفار {فإن الله هو الغني} عن الخلق، [أي: هو غني عنه وعن نصرته، وهو تعالى ولي دينه وناصر حزبه] {الحميد} المستحق للحمد.
ولما نزلت هذه الآيات وتشدد المؤمنون في عداوة ءابائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين، أطمعهم في تحول الحال إلى خلافه، فقال:
- {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم} من أهل مكة من أقربائكم {مودة} بأن يوفقهم للإيمان، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم، فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب و{عسى} وعد من الله تعالى، أو أريد به إطماع المؤمنين {والله قدير} على تقليب القلوب وتحويل الأحوال وتسهيل أسباب الـمودة {والله غفور رحيم} لمن أسلم من المشركين، [وفي هذا تأكيد لما أمرهم به من ترك موالاتهم ما داموا كفارا، وتعريف لهم أنهم إذا فعلوا ذلك بالغوا في جهادهم، فأدى ذلك إلى إيمانهم الموجب لودادهم].
- {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} تحسنوا إليهم قولا وفعلا، [أي أن النهي عن موالاة المشركين لا يمنع حسن المعاشرة في موضعه، والبر بالقرابة ممن لا يظهر عداوة للحق وأهله، وقيل: نزلت في قوم بمكة ءامنوا ولم يهاجروا، وقيل غير ذلك] {وتقسطوا إليهم} وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، وإذا نهي عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم؟ {إن الله يحب المقسطين} [العادلين الـمحقين].
- {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} [أي: عن موالاتهم] {وأخرجوكم من دياركم وظاهروا} [عاونوا] {على إخراجكم أن تولوهم} [أن تكونوا لهم أولياء ونصراء] {ومن يتولهم} منكم {فأولئك هم الظالمون} حيث وضعوا التولي غير موضعه.
{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات} سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة {مهاجرات فامتحنوهن} [فاجختبروهن] بالنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن {الله أعلم بإيمانهن} منكم، فإنكم وإن رزتم([9]) أحوالهن لا تعلمون ذلك حقيقة، وعند الله حقيقة العلم به {فإن علمتموهن مؤمنات} العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن الغالب بظهور الأمارات {فلا ترجعوهن إلى الكفار} فلا تردهن إلى أزواجهن المشركين {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} لا حل بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة {وءاتوهم ما أنفقوا} وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من الـمهور([10]). نزلت الآية بعد صلح الحديبية، وكان الصلح قد وقع على أن يرد على أهل مكة من جاء مؤمنا منهم، فأنزل الله هذه الآية بيانا، لأن ذلك في الرجال لا في النساء، لأن المسلمة لا تحل للكافر {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} ثم نفى عنهم الجناح [أي: الحرج والإثم] في تزوج هؤلاء المهاجرات {إذا ءاتيتموهن أجورهن} مهورهن، {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} العصمة: ما يعتصم به من عقد وسبب، والكوافر: جمع كافرة، وهي التي بقيت في دار الحرب أو لحقت بدار الحرب مرتدة {واسألوا ما أنفقتم} من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ممن تزوجها {وليسألوا ما أنفقوا} من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا {ذلكم} أي: جميع ما ذكر في هذه الآية {حكم الله يحكم بينكم} يحكمه الله، وهو منسوخ فلم يبق سؤال الـمهر لا منا ولا منهم {والله عليم} [بمصالح عباده] {حكيم} [فيما شرع لهم].
([1]) موضع بين مكة والمدينة، بقرب المدينة.
([2]) الظعينة: المرأة في الهودج.
([3]) العقاص: جمع، الواحدة عقيصة: وهي الضفيرة.
([4]) لم يحصل منه كفر: ولم يحصل منه نفاق حقيقي. قال أبو العباس القرطبي في «الـمفهم» (6/444): «لكن حاطبا لم ينافق في قلبه ولا ارتد عن دينه، وإنما تأول فيما فعل من ذلك أن اطلاع قريش على بعض أمر رسول الله ﷺ لا يضر رسول الله ﷺ ويخوف قريشا. ويحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ وأنهم لا طاقة لهم به. يخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة ويفروا منها وحسن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله». اهـ.
([5]) كان حليفا فيهم، ولم يكن منهم.
([7]) أي: من شأنه كذلك لو كان بينه وبين مظلمة، أو كانا يتعاونان على المعصية، أما إذا كان الفريقان أتقياء فإنه لا يفر بعضهم من بعض.
