تفسير سورة الشورى من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة الشورى من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) - {وما أنتم بمعجزين في الأرض} أي بفائتين ما قضي عليكم من المصائب {وما لكم من دون الله من ولي} متول بالرحمة {ولا نصير} ناصر يدفع عنكم العذاب إذا حل بكم.
- {ومن ءاياته} [ومن العلامات الدالة على قدرته تعالى] {الجوار} جمع جارية، وهي السفينة {في البحر كالأعلام} كالجبال [في عظمها].
- {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد} ثوابت لا تجري {على ظهره} على ظهر البحر {إن في ذلك لآيات لكل صبار} على بلائه {شكور} لنعمائه، أي لكل مؤمن مخلص، فالإيمان نصفان([1])، نصف شكر ونصف صبر، أو صبار على طاعته شكور لنعمته.
- {أو يوبقهن} يهلكهن؛ والمعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يعصفها فيغرقن بعصفها، [وفي إهلاك السفن إهلاك من فيها وما فيها] {بما كسبوا} من الذنوب {ويعف عن كثير} منها، فلا يجازي عليها، والمعنى أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم.
- {ويعلم} تقديره: [يغرقهم] لينتقم منهم ويعلم {الذين يجادلون في ءاياتنا} في إبطالها ودفعها {ما لهم من محيص} مهرب من عذابه [فيخلصون العبادة له].
- {فما أوتيتم من شيء} [من سعة في الرزق وغير ذلك من نعيم الدنيا] {فمتاع الحياة الدنيا} [أي: شيء قليل يتمتع به في الدنيا قليلا ثم يزول، فما ينبغي أن يطمأن إليه] {وما عند الله} من الثواب [ونعيم الآخرة] {خير وأبقى} [من نعيم الدنيا] {للذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون} [أي: ذلك للمؤمنين الذين يفوضون الأمور إليه، ويرضون بما قسم لهم من الرزق]. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بجميع ماله فلامه الناس.
- {والذين يجتنبون كبائر الإثم} [أي: وذلك النعيم أيضا للذين يتوقون] الكبائر {والفواحش} ما عظم قبحه فهو فاحشة كالزنا {وإذا ما غضبوا} من أمور دنياهم {هم يغفرون} أي هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب من غير أن يحملهم عليه شفيع أو سائل].
- {والذين استجابوا لربهم} نزلت في الأنصار، دعاهم الله عز وجل للإيمان به وطاعته فاستجابوا له بأن ءامنوا به وأطاعوه {وأقاموا الصلاة} وأتموا الصلوات الخمس {وأمرهم شورى بينهم} أي ذو شورى، لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم {ومما رزقناهم ينفقون} يتصدقون.
- {والذين إذا أصابهم البغي} الظلم {هم ينتصرون} ينتقمون ممن ظلمهم، أي يقتصرون في الانتصار على ما جعله الله تعالى لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، وإنما حمدوا على الانتصار لأن من انتصر وأخذ حقه ولم يجاوز في ذلك حد الله، فلم يسرف فهو مطيع لله، وكل مطيع محمود.
ثم بين حد الانتصار فقال:
{وجزاء سيئة سيئة مثلها} فالأولى سيئة حقيقة، والثانية لا، وإنما سميت سيئة لأنها مجازاة لسوء، أو لأنها تسوء من تنزل به، وفي تسمية الثانية سيئة إشارة إلى أن العفو مندوب إليه {فمن عفا وأصلح} بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء {فأجره على الله} عدة مبهمة [تدل على عظم الموعود] {إنه لا يحب الظالمين} الذين يبدأون بالظلم، أو الذين يجاوزون حد الانتصار.
