تفسير سورة غافر من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
تفسير سورة غافر من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50)
ثم وازن بين الدعوتين، دعوته إلى دين الله الذي ثمرته الجنات، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار بقوله:
- {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة} أي الجنة {وتدعونني إلى النار} [إلى عمل يؤدي إلى عذاب الله وعقوبته في النار].
- {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} بربوبيته، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإلٰه، وما ليس بإلٰه كيف يصح أن يعلم إلٰها {وأنا أدعوكم إلى العزيز} [الذي لا يغالب] {الغفار} [الـمتفضل بعفوه ومغفرته على العباد]، وهو الله سبحانه وتعالى.
- {لا جرم} حق ووجب {أنما تدعونني إليه} [إلى عبادته من دون اله] {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، أو دعوة مستجابة، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة {وأن مردنا إلى الله} وأن رجوعنا إليه، [أي إلى جزائه] {وأن المسرفين} المشركين {هم أصحاب النار} [الخالدون فيها].
- {فستذكرون ما أقول لكم} من النصيحة عند نزول العذاب {وأفوض} وأسلم {أمري إلى الله} [فإنه الكافي من تكل عليه]، لأنهم توعدوه {إن الله بصير بالعباد} بأعمالهم ومآلهم.
- {فوقاه الله سيئات ما مكروا} [فحفظه الله من] شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم، قيل: إنه خرج من عندهم [فارا] إلى جبل فبعث [فرعون] قريبا من ألف في طلبه [فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفا] فمنهم من أكلته السباع ومن رجع منهم صلبه فرعون {وحاق} ونزل [وأحاط] {بآل فرعون سوء العذاب} [بأشياع فرعون مع فرعون عذاب الله وشدته].
- {النار} كأنه قيل: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار {يعرضون عليها} وعرضهم عليها إحراقهم بها {غدوا وعشيا} في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك [يعذبون] بجنس ءاخر، ويجوز أن يكون غدوا وعشيا عبارة عن الدوام؛ هذا في الدنيا {ويوم تقوم الساعة} يقال لخزنة جهنم: {أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب} أي عذاب جهنم، وهذه الآية دليل على عذاب القبر.
- {وإذ يتحاجون} واذكر [يا محمد تخاصم أهل النار فيما بينهم] {في النار فيقول الضعفاء} [أي: الأتباع] {للذين استكبروا} [عن الانقياد للأنبياء]، يعني الرؤساء {إنا كنا لكم تبعا} تباعا [لكم فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا] {فهل أنتم مغنون} دافعون {عنا نصيبا} جزءا {من النار} [من العذاب في النار].
- {قال الذين استكبروا إنا كل فيها} إنا كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد {إن الله قد حكم بين العباد} قضى بينهم بأن أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
- {وقال الذين في النار لخزنة جهنم} للقوام بتعذيب أهلها، وإنما لم يقل: «لخزنتها» لأن في ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما} قدر يوم من [أيام] الدنيا {من العذاب} [الذي نحن فيه].
{قالوا} أي الخزنة توبيخا لهم بعد مدة طويلة: {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} بالمعجزات {قالوا} أي الكفار: {بلى قالوا} أي الخزنة تهكما بهم: {فادعوا} أنتم، ولا استجابة لدعائكم، [وليس بأمر حقيقة، ولكن معناه: إن دعوتم لن ينفعكم] {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} بطلان.
