تفسير سورة غافر من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة غافر من الآية واحد وخمسين إلى ستين
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) - {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} في الدنيا والآخرة، يعني أن يغلبهم([1]) في الدارين جميعا بالحجة والظفر على مخالفيهم، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين([2]) امتحانا من الله، والعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين.
[والنصر: المعونة على العدو بالاستعلاء عليه، وهو على وجوه: نصر بالحجة، ونصر بالغلبة والمحاربة، ونصر بعقاب العدو ونصر بإكرام الولي بالثواب]. والأشهاد جمع شاهد: الأنبياء والحفظة، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب، والحفظة يشهدون على بني ءادم بما عملوا من الأعمال.
- {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} لا يقبل عذرهم {ولهم اللعنة} البعد من رحمة الله {ولهم سوء الدار} أي سوء دار الآخرة وهو عذابها.
- {ولقد آتينا موسى الهدى} يريد به جميع ما أتى به من باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي التوراة والإنجيل والزبور.
- {هدى وذكرى} إرشادا وتذكرة [يتذكرون به وعد الله ووعيده، وما كان منسيا من الأحكام] {لأولي الألباب} لذوي العقول [الذين يتفكرون ويتأملون فيها].
- {فاصبر} على ما يجرعك قومك من الغصص {إن وعد الله حق} إن ما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق [لا خلف فيه، وهو منجز لك] {واستغفر لذنبك} لذنب أمتك، [وقيل: لذنب نفسك على من يجوز الصغائر على الأنبياء، قاله القرطبي في تفسيره. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون قبل إعلام الله إياه أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأن ءاية هذه السورة مكية، وءاية سورة الفتح مدنية متأخرة. وقال الرازي: محمول على التوبة من ترك الأفضل والأولى. وقيل المقصود منه محض تعبد، كما في قوله تعالى: { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك} [ءال عمران: 194] ومعلوم أن إيتاء ما وعد الله كائن لا محالة لأن الله لا يخلف وعده، ثم إنه تعالى أمرنا بطلبه تعبدا، نقل هذه الأقوال أبو حيان في تفسيره] {وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} دم على عبادة ربك والثناء عليه، [والعشي: من الزوال إلى الغروب، والإبكار: من طلع الشمس إلى وقت الضحى].
- {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} [بغير حجة أتتهم وبرهان] {إن في صدورهم إلا كبر} تعظم، وهو إرادة التقدم والرئاسة، وألا يكون أحد فوقهم، فلهذا عادوك ودفعوا ءاياتك خيفة أن تتقدمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك، لأن النبوة تحتها كل ملك ورئاسة {ما هم ببالغيه} ببالغي موجب الكبر ومقتضيه من الرئاسة، أو النبوة، أو دفع الآيات {فاستعذ بالله} فالتجئ إليه من كيد من يحسدك ويبغي عليك {إنه هو السميع} لما تقول ويقولون {البصير} بما تعمل ويعملون، فهو ناصرك عليهم، وعاصمك من شرهم.
- {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} لما كانت مجادلتهم في ءايات الله مشتملة على إنكار البعث – وهو أصل المجادلة ومدارها – حجوا([3]) بخلق السماوات والأرض، لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقها، فإن من قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان مع مهانته([4]) أقدر {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لأنهم لا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم.
- {وما يستوي الأعمى والبصير} [من عمي عن رؤية الآيات والاستدلال بها ومن أبصرها واستدل بها] {والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} [المسيء: هو الكافر، لأن المؤمن محسن؛ أي لا يساوي المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن] {قليلا ما تتذكرون} تتعظون [أيها الناس].
- {إن الساعة لآتية لا ريب فيها} لا بد من مجيئها، وليس بمرتاب فيها، لأنه لا بد من جزاء {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} لا يصدقون بها [لقصور نظرهم].
{وقال ربكم ادعوني} اعبدوني {أستجب لكم} أثبكم، فالدعاء بمعنى العبادة كثير في القرءان، ويدل عليه قوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [يتعاظمون عن توحيدي] {سيدخلون جهنم داخرين} صاغرين([5]).
([1]) الله تعالى ينصر الأنبياء وأتباعهم على الكفار في الدنيا ظاهرا ومعنى، أو معنى فقط، أما في الآخرة فظاهرا ومعنى، في الدنيا قد يؤذي الكفار المؤمنين ويتسلطون عليهم ويقتلون وينهبون ويؤذون بأنواع من الأذى، في هذه الحال المؤمنون هم المنصورون معنى، لأن الحق معهم، أولئك ليس معهم حق، هؤلاء المسلمون الذين يقتلون ويعذبون هم المنصورون من حيث المعنى، ولو لم يكونوا ظاهرا منتصرين على الكفار، لكن معنى هم المنتصرون، لهم في الآخرة ثواب عظيم على هذا البلاء الذي أصابهم، ومتاع هؤلاء الكفار متاع قليل، ثم يفارقون هذه الدنيا فيلقون العذاب في القبر، ثم في الآخرة إلى ما لا نهاية له، في الآخرة يهانون ويذلون ويحقرون، تظهر ذلتهم ومهانتهم للعالم، لأهل موقف يوم القيامة، لأن الملائكة ينادون على الكفار: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، يسمعهم أهل المحشر، الكفار تنزل بهم ذلة ومهانة قبل أن يدخلوا جهنم، ثم إذا دخلوا جهنم لا يلقون بعد ذلك تخفيفا، لا يوجد تخفيف لعذابهم، لا يخفف إلى أبد الآباد، لا النار تنطفئ، ولا هم يخرجون، فإذا كان الأمر هكذا، فالكفار في الدنيا والآخرة مغلوبون، والمؤمنون منتصرون في الدنيا والآخرة.
([2]) الأحايين: جمع الأحيان، والأحيان: جمع الحين، وهو: وقت من الزمان.
([4]) معناه: مع ضعفه، ليس معناه الحقارة، الإنسان ليس حقيرا، الإنسان أفضل خلق الله لوجود الأنبياء فيهم.
