تفسير سورة غافر من الآية واحد إلى عشرة
سورة غافر([1])
خمس وثمانون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة غافر من الآية واحد إلى عشرة
حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10)
- {حم} [قال بعضهم: هي والتي في بداية السور الست التي تلي هذه السورة حتى سورة الأحقاف كلها فواتح السور، وقيل: هي أسماء للسور التي قيل فيها «الحواميم السبع»، وقيل غير ذلك مما ورد في أول التفسير عند ذكر {الم} في أول البقرة].
- {تنزيل الكتاب} هذا تنزيل الكتاب {من الله العزيز} المنيع بسلطانه عن أن يتقول عليه متقول([2]) {العليم} بمن صدق به وكذب، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين.
- {غافر الذنب} ساتر ذنب المذنبين المؤمنين {وقابل التوب} قابل توبة الراجعين [عن المعصية] {شديد العقاب} على المخالفين [المصرين غير التائبين] {ذي الطول} ذي الفضل على [كل عبادة بالخلق والرزق والبيان وكل وجوه الإحسان]، أو ذي الغنى عن الكل {لا إله إلا هو إليه المصير} المرجع [فيجازي المطيع والعاصي].
- {ما يجادل في ءايات الله} ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها {إلا الذين كفروا}، فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، واستنباط معانيها، ورد أهل الزيغ([3]) بها، فأعظم جهاد في سبيل الله {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} بالتجارات النافقة([4])، والمكاسب المربحة، فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب.
ثم بين كيف ذلك، فأعلم أن الأمم [التي] كذبت قبلهم أهلكت فقال:
- {كذبت قبلهم قوم نوح} نوحا {والأحزاب} الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم([5])، وهم عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم {من بعدهم} من بعد قوم نوح {وهمت كل أمة} من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب {برسولهم ليأخذوه} ليتمكنوا منه فيقتلوه. والأخيذ: الأسير {وجادلوا بالباطل} بالكفر {ليدحضوا به الحق} ليبطلوا به الإيمان {فأخذتهم} قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذ الرسل أن أخذتهم فعاقبتهم [بالعذاب المستأصل] {فكيف كان عقاب} فإنكم تمرون على بلادهم فتعاينون أثر ذلك، وهذا تقرير فيه معنى التعجيب [من استئصالهم واستعظام لما حل بهم، وأن عقابهم واقع موقعه، وليس استفهاما عن كيفية عقابهم].
- {وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا} [من تقدم منهم ومن تأخر] {أنهم أصحاب النار} أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، ومعناه كما [ثبت] إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك [ثبت] إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة.
- {الذين يحملون العرش ومن حوله} يعني حاملي العرش والحافين حوله [يطوفون حوله ويعظمونه]، وهم الكروبيون([6]) سادة الملائكة.
{يسبحون بحمد ربهم} [ينزهونه عما يضيف إليه المشركون المجادلون، فيحمدونه بمحامده] {ويؤمنون به} وفائدته – مع علمنا بأن حملة العرش ومن حوله من الملائكة مؤمنون – إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع بالصلاح لذلك {ويستغفرون للذين ءامنوا} ويستغفرون لمن في مثل حالهم [الذين أقروا بمثل إقرارهم من توحيد الله والبراءة من كل معبود سواه]، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس والأماكن {ربنا} أي يقولون: ربنا {وسعت كل شيء رحمة وعلما} فالرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم مبالغة في وصفه بالرحمة والعلم. [أما في الدنيا فالرحمة تسع المؤمن والكافر، وأما في الآخرة فلا تنال إلا المؤمن، قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} [الأعراف: 156]، وما من شيء إلا أحاط به علمك]. {فاغفر للذين تابوا} للذين علمت منهم التوبة لتناسب ذكر الرحمة والعلم {واتبعوا سبيلك} أي طريق الهدى الذي دعوت إليه {وقهم عذاب الجحيم} [أي: اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهم].
- {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ءابائهم} وعدتهم ووعدت من صلح من ءابائهم، [وإنما قالوا: {ومن صلح} لأن من أشرك منهم لم يستحقوا ذلك]. {وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} الـملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا خاليا عن الحكمة، وموجب حكمتك أن تفي بوعدك.
- {وقهم السيئات} [واصرف عنهم] جزاء السيئات؛ وهو عذاب النار {ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك} أي دفع العذاب {هو الفوز العظيم} [لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق].
{إن الذين كفروا ينادون} يوم القيامة إذا دخلوا النار ومقتوا أنفسهم فيناديهم خزنة النار {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم} لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، والـمقت: أشد البغض {إذ تدعون إلى الإيمان} المعنى أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن {فتكفرون} فتصرون على الكفر.
([2]) يقال: تقول قولا: ابتدعه كذبا.
([3]) أي رد أهل الميل عن الهدى إلى الحق بالآيات الكريمة.
([4]) التجارة النافقة: المرغوب فيها، من النفاق، وهو ضد الكساد.
([6]) الكروبيون: سادة الملائكة، المقربون، كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم.
