تفسير سورة الزمر من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة الزمر من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) - {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء} يعني المطر {فسلكه} فأدخله {ينابيع في الأرض} عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد {ثم يخرج به} بالماء {زرعا مختلفا ألوانه} هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض، أو أصنافه من بر وشعير وسسم وغير ذلك {ثم يهيج} يجف {فتراه مصفرا} بعد نضارته وحسنه {ثم يجعله حطاما} فتاتا متكسرا {إن في ذلك} في إنزال الماء وإخراج الزرع {لذكرى لأولي الألباب} لتذكيرا وتنبيها على أنه لا بد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، لا عن إهمال وتعطيل([1]).
- {أفمن شرح الله صدره للإسلام} وسع صدره([2]) [وفتح قلبه فاتسع للتدبر والعلم والإيمان] فاهتدى {فهو على نور من ربه} بيانس وبصيرة، والمعنى: أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه، فحذف لأن قوله: {فويل للقاسية قلوبهم} يدل عليه {من ذكر الله} من ترك ذكر الله، [أي فويل للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر الله وهو القرءان] {أولئك في ضلال مبين} غواية ظاهرة.
- {الله نزل أحسن الحديث} [أحسن ما يتحدث به] {كتابا} [قرءانا من الله تعالى إلى عباده] {متشابها} يشبه بعضه بعضا في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك {مثاني} جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر، لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكمه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه [وذلك للتقرير والتأكيد] {تقشعر} تضطرب وتتحرك {منه جلود الذين يخشون ربهم} المعنى أنهم إذا سمعوا بالقرءان وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي إذا ذكرت ءايات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم، وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة {ذلك} إشارة إلى الكتاب وهو {هدى الله يهدي به من يشاء} من عباده، وهو من علم منه اختيار الاهتداء([3]) {ومن يضلل الله} بخلق الضلالة فيه {فما له من هاد} إلى الحق.
- {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} كمن أمن العذاب؟ [وهو استفهام بمعنى النفي] فحذف الخبر لوضوح المراد، وسوء العذاب شدته، ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفا من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه {وقيل للظالمين} تقول لهم خزنة النار: {ذوقوا} وبال {ما كنتم تكسبون} أي كسبكم.
- {كذب الذين من قبلهم} من قبل قريش {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها.
- {فأذاقهم الله الخزي} الذل والصغار، كالـمسخ والخسف والقتل والجلاء([4]) ونحو ذلك من عذاب الله {في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر} من عذاب الدنيا {لو كانوا يعلمون} [لو كانوا من أهل العلم والنظر والتدبر لعلموا ذلك واعتبروا به وءامنوا].
- {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [أي: وصفنا في هذا القرءان من كل ما للناس به حاجة من أمور دينهم ومصالح دنياهم مثلا] {لعلهم يتذكرون} ليتعظوا [فيؤمنوا ويطيعوا].
- {قرءانا عربيا} [أنزلناه بلسان العرب ليفهموه ويعلموا حسن نظمه وصواب معانيه] {غير ذي عوج} مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف {لعلهم يتقون} الكفر [وما توعد الله به الكافرين من العذاب].
- {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} متنازعون ومختلفون {ورجلا سلما} ذا سلامة {لرجل} أي ذا خلوص له من الشركة {هل يستويان مثلا} المعنى: هل تستوي صفتاهما وحالاهما {الحمد لله} الذي لا إله إلا هو [على التخصيص بالتوحيد] {بل أكثرهم لا يعلمون} [توحيد ربهم] فيشركون به غيره. مثل الكافر ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف وكل واحد منهم يدعي أنه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه([5]) في مهن شتى، وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع([6])، وقلبه أوزاع([7])، والمؤمن بعبد([8]) له سيد واحد فهمه واحد وقلبه مجتمع.
- {إنك ميت} ستموت {وإنهم ميتون} [سيموتون، لأن ءاجال الجميع منقضية منقطعة]، وبالتخفيف من حل به الموت.
كانوا يتربصون برسول الله ﷺ موته، فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الباقي بالفاني.
([1]) التغير دليل حدوث العالم، الأرض لا صفات تتحول إليها، والسماء كذلك لها صفات مختلفة. هذا دليل على أن العالم لم يكن موجودا ثم وجد، فالذي خلقه لا يكون له أول، العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث، هذا دليل حدوث العالم، ثم دليل حدوث العالم دليل وجود الله الذي أحدث العالم، معرفة الدليل العقلي الإجمالي واجب على كل مكلف، أبو الحسن الأشعري رحمه الله قال: معرفة الدليل في الأحكام فرض كفاية أما في العقيدة فرض عين على كل مكلف.
([2]) لأن الذي عقله صحيح عندما ينظر إلى الأرض إلى نباتها وجبالها وأنهارها، وإلى السماء وإلى الليل والنهار، يقول: هذا بخلق خالق يغيره، أما ذلك الخالق فلا يتغير، هكذا العقل يستدل، من عرف ذلك القدر من الدليل العقلي يكون أدى الواجب، ثم من جزم بأن الله موجود من غير تشبيه له بالعالم بأي وجه من الوجوه وجزم بأن محمدا ﷺ رسوله فهو مسلم مؤمن، لكن عليه أن يتعلم الدليل العقلي الإجمالي، فإن لم يتعلم ذلك، ما خطر بباله بالمرة، فهو مسلم عاص.
([3]) الله تعالى هو الذي يخلق الاختيار وفعل العبد، العبد لا يخلق بل يكتسب فقط.
([4]) الجلاء: هو إخراجهم من أرضهم.
([5]) يتعاورونه: أي يتناوبون عليه.
