تفسير سورة الزمر من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
تفسير سورة الزمر من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40)
- {ثم إنكم} أي إنك وإياهم {يوم القيامة عند ربكم تختصمون} فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا، واجتهدت في الدعوة فلجوا([1]) في العناد، ويعتذرون بما لا طائل([2]) تحته، تقول الأتباع، أطعنا سادتنا وكبراءنا، وتقول السادات: أغوتنا الشياطين وءاباؤنا الأقدمون.
- {فمن أظلم ممن كذب على الله} [لا أحد من المكذبين أفحش ظلما ممن] افترى عليه بإضافة الولد والشريك له {وكذب بالصدق} بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ما جاء به محمد ﷺ {إذ جاءه} لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية([3]) أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون {أليس في جهنم مثوى للكافرين} أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق [وهو استفهام بمعنى التقرير؛ أي هذا جزاء وقع لهم باستحقاقهم، يقيمون فيها خالدين].
- {والذي جاء بالصدق وصدق به} هو رسول الله ﷺ جاء بالحق وءامن به، وأراد به إياه ومن، تبعه فلذا قال تعالى: {أولئك هم المتقون} وروي أن الذي جاء بالصدق محمد رسول الله ﷺ والذي صدق به المؤمنون.
- {لهم ما يشاؤون عند ربهم} [أي: ما يشتهونه من أنواع النعم في الجنان التي أعدها لهم] {ذلك جزاء المحسنين} [في اعتقادهم وأعمالهم].
- {ليكفر الله عنهم} [يسر لهم الإحسان ليكفر عنهم] {أسوأ الذي عملوا} [هو كفر أهل الجاهلية، ومعاصي أهل الإسلام، والتكفير يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه كما أن الجزاء بالأحسن يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه] {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} إضافة أسوأ وأحسن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، [فمعنى [أسوأ الذي عملوا} السيئ الذي عملوا، وكذا [بأحسن الذي كانوا يعملون} أي: بالحسن الذي كانوا يعملون].
- {أليس الله بكاف عبده} أي محمدا ﷺ [كيد المشركين من أن ينالوه بسوء؟ وهو استفهام على معنى التقرير، لأن جوابه: بلى] {ويخوفونك بالذين من دونه} بالأوثان التي اتخذوها ءالهة من دونه، وذلك أن قريشا قالت لرسول الله ﷺ: إنا نخاف أن تخبلك ءالهتنا، وإنا نخشى عليك مضرتها لعيبك إياها {ومن يضلل الله فما له من هاد} [يهديه إلى الرشاد].
- {ومن يهد الله فما له من مضل} [ومن يوفقه الله للإيمان به والعمل بكتابه فما له من مثزيغ يزيغه عن الحق إلى الكفر] {أليس الله بعزيز} بغالب منيع {ذي انتقام} ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم وينصرهم عليهم.
ثم أعلم بأنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله تعالى خلق السموات والأرض بقوله:
- {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله} [أي تدعونه ءالهة، وقيل: أي: تعبدونه، وهي الأصنام] {إن أرادني الله بضر} مرض أو فقر أو غير ذلك {هل هن كاشفات ضره} دافعات شدته عني {أو أرادني برحمة} صحة أو غنى أو نحوهما {هل هن ممسكات رحمته} [هن قادرات على شيء من ذلك؟] {قل حسبي الله} كافيا لمعرة([4]) أوثانكم {عليه يتوكل المتوكلون} [إذ هو القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر].
40- {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها [وهو أمر بمعنى التهديد والوعيد] {إني عامل} أي على مكانتي، وحذف للاختصار، ولما فيه من زيادة الوعيد، والإيذان بأن حاله تزداد كل يوم قوة، لأن الله تعالى ناصره ومعينه، ألا ترى إلى قوله: {فسوف تعلمون(39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} كيف توعدهم بكونه منصورا عليهم غالبا عليهم في الدنيا والآخرة، لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه وغلبته، و{يخزيه} صفة للعذاب كـ{مقيم}، أي عذاب مخز له، وهو يوم بدر، وعذاب دائم؛ وهو عذاب النار.
