تفسير سورة الزمر من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة الزمر من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48) فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) - {إنا أنزلنا عليك الكتاب} القرءان {للناس} لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه {بالحق} [ببيان الحق]، ليبشروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية {فمن اهتدى فلنفسه} فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه {ومن ضل فإنما يضل عليها} ومن اختار الضلالة فقد ضرها {وما أنت عليهم بوكيل} [وما أنت يا محمد على من أرسلتك إليهم من الناس] بحفيظ [تحفظ عليهم أعمالهم، إنما أنت رسول عليك البلاغ وعلينا الحساب].
ثم أخبر بأنه الحفيظ القدير عليهم بقوله:
- {الله يتوفى الأنفس حين موتها} توفيها: إماتتها، وهو أن تسلب ما هي به حية حساسة دراكة {والتي لم تمت في منامها} ويتوفى الأنفس التي لم تمت حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك {فيمسك} الأنفس {التي قضى عليها الموت} الحقيقي أي لا يردها في وقتها حية {ويرسل الأخرى} النائمة {إلى أجل مسمى} إلى وقت ضربه لموتها.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: في ابن ءادم نفس وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه.
وعن علي رض الله عنه: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد([1]) فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة.
{إن في ذلك} في توفي الأنفس مائتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل {لآيات} على قدرة الله وعلمه {لقوم يتفكرون} يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون.
- {أم اتخذوا} بل اتخذ قريش {من دون الله} من دون إذنه {شفعاء} حين قالوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه {قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} معناه: أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئا قط ولا عقل لهم.
- {قل لله الشفاعة جميعا} هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه {له ملك السماوات والأرض} له الـملك كله، والشفاعة من الـملك [فلا يملك أحد أن يتكلم في الشفاعة دون إذنه ورضاه] {ثم إليه ترجعون} له ملك السموات والأرض اليوم ثم إليه ترجعون يوم القيامة فلا يكون الـملك في ذلك اليوم إلا له، فله ملك الدنيا والآخرة.
- {وإذا ذكر الله وحده} إذا أفرد الله بالذكر ولم تذكر معه ءالهتهم {اشمأزت} نفرت وانقبضت {قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه} يعني ءالهتهم، ذكر الله معهم أو لم يذكر {إذا هم يستبشرون} لافتتانهم بها، [والاستبشار: أن يمتلئ القلب سرورا حتى تنبسط له بشرة الوجه، والاشمئزاز: أن يمتلئ غما حتى ينقبض أديم الوجه].
- {قل اللهم فاطر السماوات والأرض} أي يا [خالق السماوات والأرض] {عالم الغيب والشهادة} [أي يا عالـم] السر والعلانية {أنت تحكم} تقضي {بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون} من الهدى والضلالة، [أي قد علمت حالي وحال هؤلاء، وأني قد بلغتهم واجتهدت في النصح لهم وأوضحت لهم دلائلك، فأعرضوا واشمأزوا فاحكم بيني وبينهم، وهذا الحكم قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة].
- {ولو أن للذين ظلموا} [أي كفروا وظلموا أنفسهم بوضعهم العبادة غير موضعها] {ما في الأرض جميعا} [من صنوف الأموال] {ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب} شدته، [أي لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم شدة العذاب] {يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قط في حسابهم ولم يحدثوا به نفوسهم.
- {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} سيئات أعمالهم التي كسبوها حين تعرض صحائف أعمالهم {وحاق بهم} ونزل بهم وأحاط {ما كانوا به يستهزؤون} جزاء هزئهم.
- {فإذا مس الإنسان ضر} [بلاء وشدة وأمر يخافه] {دعانا} [التجأ إلينا وأخلص الاستغاثة بنا] {ثم إذا خولناه} أعطيناه تفضلا {نعمة منا} [فرجا مما كان فيه من الضر] {قال إنما أوتيته على علم} مني أني سأعطاه لما في من فضل واستحقاق، كما قال قارون: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] {بل هي فتنة} إنكار له، كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما تقول بل هي فتنة؛ أي ابتلاء وامتحان لك أتشكر أم تكفر {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أنها فتنة.
{قد قالها} هذه المقالة، وهي قوله: {إنما أوتيته على علم} [القصص: 78] {الذين من قبلهم} أي قارون وقومه [فقد كانوا راضين بها] فكأنهم قالوها، ويجوز أن يكون في الأمم الخالية ءاخرون قائلون مثلها {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من متاع الدنيا وما يجمعون منها [وظنوا لفضل فيهم، وأنه يعصمهم من عذاب الله، وما دفع العذاب عنهم].
([1]) أي تبقى متصلة بالجسد، الروح لها شأن غريب في حال النوم، فهي لا تفارق الجسد كليا حين الرؤيا، بل يكون لها امتداد من غير أن تفارق الجسد، أما عند الموت فتفارق الروح الجسد.
