تفسير سورة الزمر من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة الزمر من الآية واحد وستين إلى سبعين
وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) - {وينجي الله الذين اتقوا} الشرك {بمفازتهم} بفلاحهم، يقال: فاز بكذا إذا أفلح وظفر بمراده منه، وتفسير المفازة: {لا يمسهم السوء} النار {ولا هم يحزنون} أي: ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم، أي: لا يمس أبدانهم أذى ولا قلوبهم حزن.
- {الله خالق كل شيء} [من خير وشر وإيمان وكفر] {وهو على كل شيء وكيل} حافظ [يدبر جميع شؤون خلقه كيف يشاء].
- {له مقاليد السماوات والأرض} هو مالك أمرها وحافظها [فيفتح على عباده منها ما يشاء من المطر والنبات وغيرهما] {والذين كفروا بآيات الله} [بدلائل قدرته واستبداده بأمر السموات والأرض وجحدوا أن يكون الأمر كذلك] {أولئك هم الخاسرون} [الهالكون الذين خسروا الرحمة والثواب].
- {قل} لمن دعاك إلى دين ءابائك: {أفغير الله تأمروني أعبد} أفغير الله أعبد بأمركم بعد هذا البيان {أيها الجاهلون} بتوحيد الله، [وهذا توبيخ لهم وتقريع].
- {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك} من الأنبياء عليهم السلام {لئن أشركت ليحبطن عملك} ليتلاشين ويبطلن عملك الذي عملت قبل الشرك [فلا يعتد به ولا يثاب عليه] {ولتكونن من الخاسرين} وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون، لأن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، والمراد به غيره.
- {بل الله فاعبد} رد لما أمروه به من عبادة ءالهتهم {وكن من الشاكرين} على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد ءادم.
- {وما قدروا الله حق قدره} وما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره، ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه فقال: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} المراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز [معين، فلفظ القبضة واليمين حقيقة في الجارحة، والدليل العقلي قائم على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب الحمل على المجاز، قاله أبو حيان في البحر المحيط]، وقيل: قبضته: ملكه بلا مدافع ولا منازع. وبيمينه: بقدرته [وقال أبو حفص النسفي صاحب العقيدة النسفية المشهورة في كتابه «التيسير في التفسير»: وذكر القبضة واليمين من المتشابه ولا يفهم من ذلك ما يفهم من أيدي الخلق وقبضتهم؛ لأنه تشبيه، وقد قال تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، بل يفهم منه التصرف فيها والقدرة على تغييرها، وهو مستعمل في كلام الناس على هذا المراد، يقال: هذه الولاية في يد السلطان وفي قبضته، ويراد به الاستيلاء والقدرة دون حقيقة إثبات اليد عليها وإدخالها في قبضتها]. والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك قوله: {جميعا}، والمطويات: من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} [الأنبياء: 104] {سبحانه وتعالى عما يشركون} ما أبعد من هذه قدرته وعظمته وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء، [نزه الله تعالى نفسه عن أن يكون ما ذكر من القبض والطي واليمين بجارحة].
- {ونفخ في الصور} [النفخة الأولى] {فصعق} مات {من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل: هم حملة العرش ورضوان والحور العين ومالك والزبانية، [وقيل غير ذلك] {ثم نفخ فيه أخرى} نفخة أخرى {فإذا هم قيام ينظرون} [فإذا الأموات قيام من قبورهم] يقلبون أبصارهم في الجهات نظر الـمبهوت إذا فاجأه خطب([1]).
- {وأشرقت الأرض} أضاءت {بنور ربها} أي بعدله بطريق الاستعارة يقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقال أظلمت الدنيا بجور فلان، وقال الإمام أبو منصور رحمه الله: يجوز أن يخلق الله نورا فينور به أرض الموقف وإضافته إليه تعالى للتخصيص كبيت الله، وناقة الله. {ووضع الكتاب} أي صحائف الأعمال {وجيء بالنبيين} ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة وما أجابهم قومهم {والشهداء} والحفظة، وقيل: هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان {وقضي بينهم} بين العباد {بالحق} بالعدل {وهم لا يظلمون} ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل.
{ووفيت كل نفس ما عملت} أي جزاءه {وهو أعلم بما يفعلون} من غير كتاب ولا شاهد، وقيل: هذه الآية تفسير قوله: [وهم لا يظلمون} أي ووفيت كل نفس ما عملت من خير أو شر لا يزاد في شر ولا ينقص من خير.
