تفسير سورة الزمر من الآية واحد إلى عشرة
سورة الزمر
مكية إلى قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا} إلى {يشعرون}
وهي خمس وسبعون ءاية كوفي وثنتان وسبعون
بصري ومدني
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الزمر من الآية واحد إلى عشرة
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8) أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (9) قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10)
- {تنزيل الكتاب} أي القرءان {من الله} نزل من الله {العزيز} [الغالب] في سلطانه [الذي لا يغلب] {الحكيم} في تدبيره.
- {إنا أنزلنا إليك} [يا محمد] {الكتاب} [أي القرءان] {بالحق} [ببيان الحق] {فاعبد الله مخلصا له الدين} ممحضا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر.
- {ألا لله الدين الخالص} هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر لاطلاعه على الغيوب والأسرار {والذين اتخذوا من دونه أولياء} أي ءالهة تقديره: والذين عبدوا الأصنام يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} تقريبا {إن الله يحكم بينهم} بين المسلمين والمشركين {في ما هم فيه يختلفون} قيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فإذا قالوا لهم [إنكارا عليهم]: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى([1])، والمعنى أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} لا يهدي من هو في علمه أنه يختار الكفر، يعني لا يوفقه للهدى ولا يعينه([2]) وقت اختياره الكفر ولكنه يخذله.
وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله، ولذا عقبه محتجا عليهم بقوله:
- {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء، لا ما تختارون أنتم وتشاؤون {سبحانه} نزه ذاته من أن يكون له أحد ما نسبوا إليه من الأولياء والأولاد، ودل على ذلك بقوله: {هو الله الواحد القهار} يعني أنه واحد متبرئ عن انضمام الأعداد، متعال عن التجزؤ والولاد قهار لكل شيء، ومن الأشياء ءالهتهم فأنى يكون له أولياء وشركاء؟
ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من الـملوين([3]) على الآخر، وتسخير النيرين([4]) وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام، على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله:
- {خلق السماوات والأرض بالحق} [أي بالحكمة، إذ جعل في كل شيء ءاية على ربوبيته ووحدانيته] {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} والتكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، والمعنى أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه {وسخر الشمس والقمر} [ذللهما وجعلهما يطلعان ويغربان لمنافع العباد] {كل يجري لأجل مسمى} أي يوم القيامة {ألا هو العزيز} الغالب القادر على عقاب من لم يعتبر بتسخير الشمس والقمر فلم يؤمن بمسخرهما {الغفار} لمن فكر واعتبر فآمن بمدبرهما.
- {خلقكم من نفس واحدة} ءادم عليه السلام {ثم جعل منها زوجها} حواء من قصيراه([5]) {وأنزل لكم من الأنعام} [أي خلق، وذلك كقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد} [الحديد: 25] أي خلقنا، وقوله تعالى: {يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم} [الأعراف: 26] ومعلوم أنه تعالى لم ينزل اللباس على ما هو عليه؛ ولكن معناه: خلقه لباسا لهم، فكذلك هذا] {ثمانية أزواج} ذكرا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز، كما بين في سورة الأنعام([6]) {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى تمام الخلق {في ظلمات ثلاث} ظلمة البطن والرحم والـمشيمة([7])، {ذلكم} الذي هذه مفعولاته هو {الله ربكم له الملك} [التام في الدنيا والآخرة، فهو مبدئ كل شيء مهيمن عليه] {لا إله إلا هو فأنى تصرفون} فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره.
- {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} عن إيمانكم [إذ لم يأمركم بعبادته لنفع يجره لنفسه أو ضر يدفعه عن نفسه بل هو غني عنكم وعن عبادتكم] وأنتم محتاجون إليه لتضرركم بالكفر {ولا يرضى لعباده الكفر} لأن الكفر ليس برضا الله تعالى وإن كان بإرادته {وإن تشكروا} فتؤمنوا {يرضه لكم} يرضى الشكر لكم، لأنه سبب فوزكم فيثيبكم عليه الجنة {ولا تزر وازرة} [لا تحمل نفس آثمة] {وزر أخرى} [ذنب نفس أخرى]، أي لا يؤخذ أحد بذنب ءاخر {ثم إلى ربكم مرجعكم} إلى جزاء ربكم رجوعكم {فينبئكم بما كنتم تعملون} فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها {إنه عليم بذات الصدور} بخفيات القلوب.
- {وإذا مس الإنسان} هو أبو جهل أو كل كافر {ضر} بلاء وشدة {دعا ربه منيبا إليه} راجعا إلى الله بالدعاء لا يدعو غيره {ثم إذا خوله} أعطاه {نعمة منه} من الله عز وجل {نسي ما كان يدعو إليه من قبل} نسي ربه الذي كان يتضرع إليه، و{ما} بمعنى من {وجعل لله أندادا} أمثالا {ليضل عن سبيله} أي الإسلام {قل} يا محمد [لهذا الإنسان]: {تمتع} أمر تهديد {بكفرك قليلا} في الدنيا {إنك من أصحاب النار} من أهلها.
- {أمن هو قانت} كغيره؟ أي أمن هو مطيع كمن هو عاص؟ وحذف لدلالة الكلام عليه، وهو جري ذكر الكافر قبله {آناء الليل} ساعاته {ساجدا وقائما يحذر الآخرة} أي عذاب الآخرة {ويرجو رحمة ربه} أي الجنة، ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمت÷ لا عمله، ويحذر عقابه لتقصيره في عمله {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلك لا يستوي الـمطيع والعاصي {إنما يتذكر أولوا الألباب} جمع لب، أي إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول [المنتفعون بعقولهم].
{قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم} بامتثال أوامره واجتناب نواهيه {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أي أطاعوا الله في الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة {وأرض الله واسعة} أي لا عذر للمفرطين في الإحسان ألبتة، حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان، قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم {إنما يوفى الصابرون} على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير {أجرهم بغير حساب} موفرا [أضعافا مضاعفة، لا يدخل في حساب الخلق لكثرته].
([1]) لا يصح الاستشهاد بهذه الآية لتكفير المسلمين المتوسلين والمستغيثين بالأنبياء والأولياء، فإن الآية الكريمة وردت في المشركين الذين يعبدون الأصنام كما هو واضح في صريح الآية: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، أما المسلمون المستغيثون والمتوسلون بالأنبياء والأولياء فإنهم لا يعبدون الأنبياء والأولياء بل يعبدون الله تعالى الواحد الأحد خالق الأنبياء والأولياء وخالق كل شيء الذي بيده ملكوت كل شيء، ومعنى استغاثتهم وتوسلهم أنهم يطلبون من الله أن يقضي حاجاتهم ويدفع عنهم ما أهمهم بما لهؤلاء من الفضل عند الله تعالى.
([2]) أي لا يعينه على الاهتداء ولا يمكنه منه ولا يقدره عليه وقت اختياره الكفر.
([3]) الـملوان: الليل والنهار.
