تفسير سورة ص من الآية واحد وستين إلى سبعين قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70)
{قالوا} أي الأتباع: {ربنا من قدم لنا هذا} [من كان سببا لهذا بدعوته] {فزده عذابا ضعفا} مضاعفا {في النار} وهو أن يزيد على عذابه مثله [بكفره وبدعوته إيانا إليه].
{وقالوا} الضمير لرؤساء الكفرة: {ما لنا لا نرى رجالا} يعنون فقراء المسلمين {كنا نعدهم} في الدنيا {من الأشرار} من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى.
{أتخذناهم سخريا} إنكار على أنفسهم [وتأنيب لها] في الاستسخار([1]) منهم {أم زاغت} مالت {عنهم الأبصار} أي ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها، قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة، وبين أن يكونوا من أهل النار، إلا أنه خفي عليهم مكانهم.
{إن ذلك} الذي حكينا عنهم {لحق} لصدق كائن لا محالة، لا بد أن يتكلموا به، ثم بين ما هو فقال: هو {تخاصم أهل النار} ولما شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين سماه تخاصما، ولأن قول الرؤساء: {لا مرحبا بهم}، وقول أتباعهم: {بل أنتم لا مرحبا بكم} من باب الخصومة، فسمى التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك.
{قل} يا محمد لمشركي مكة: {إنما أنا منذر} ما أنا إلا رسول منذر أنذركم عذاب الله تعالى {وما من إله إلا الله} وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله وأن نعتقد أن لا إله إلا الله {الواحد} بلا ند ولا شريك {القهار} لكل شيء.
{رب السماوات والأرض وما بينهما} له الـملك والربوبية في العالم كله {العزيز} الذي لا يغلب إذا عاقب {الغفار} لذنوب من التجأ إليه.
{قل هو} أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا، وأن الله واحد لا شريك له {نبأ عظيم} لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم:
{أنتم عنه معرضون} [لتمادي غفلتكم].
{ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون} احتج لصحة نبوته بأن ما ينبئ به عن الـملأ الأعلى [الملائكة وإبليس حين كان في السماء] واختصامهم [وتقاولهم في شأن ءادم عليه السلام وخلقه من طين واستحقاقه للخلافة والسجود] أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه، ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى.
{إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين} معناه ما يوحى إلي إلا للإنذار [لأني رسول نذير لكم من عذابه تعالى مبين لكم شرعه].