تفسير سورة يس من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة يس من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) - {ألم يروا} ألم يعلموا([1]) {كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم أنهم غير راجعين إليهم [إلى الدنيا، بل هم مبقون إلى أن يبعثوا فيجازوا بأعمالهم؟].
- {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [وما] كلهم [إلا] محشورون مجموعون للحساب.
- {وآية لهم} وعلامة تدل على أن الله يبعث الموتى إحياء الأرض الـميتة {الأرض الميتة} اليابسة([2]) {أحييناها} بالمطر {وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون} الحب [كالحنطة والشعير والأقوات] هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش، ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنسان، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر، وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء.
- {وجعلنا فيها} في الأرض {جنات} بساتين {من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون} ما ينتفعون به [من عيون الماء].
- {ليأكلوا من ثمره} ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر {وما عملته أيديهم} ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه ءاثار من كد بني ءادم، وقيل: {ما} نافية، على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه([3]) {أفلا يشكرون} استبطاء وحث على شكر النعمة.
- {سبحان الذي خلق الأزواج} الأصناف {كلها مما تنبت الأرض} من النخيل والشجر والزرع والثمر {ومن أنفسهم} الأولاد ذكورا وإناثا {ومما لا يعلمون} ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها؛ ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس.
- {وءاية لهم} [ومن علامات قدرتنا وعلمنا ورحمتنا] {الليل نسلخ منه النهار} نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النهار {فإذا هم مظلمون} داخلون في الظلام.
- {والشمس تجري} وءاية لهم الشمس تجري {لمستقر لها} لحد لها موقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في ءاخر السنة {ذلك} الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق {تقدير العزيز} الغالب بقدرته على كل مقدور {العليم} بكل معلوم.
- {والقمر قدرناه منازل} قدرنا سيره منازل، هي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، فإذا كان في ءاخر منازله دق واستقوس {حتى عاد كالعرجون} هو عود الشمراخ([4]) إذا يبس واعوج {القديم} العتيق الـمحول([5])، وإذا قدم دق وانحنى واصفر، فشب القمر به من ثلاثة أوجه.
{لا الشمس ينبغي لها} لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم {أن تدرك القمر} فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، لأن لكل واحد من النيرين سلطانا على حياله([6])، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل {ولا الليل سابق النهار} ولا يسبق الليل النهار، أي ءاية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم القيامة فيجمع بين الشمس والقمر وتطلع الشمس من مغربها، [أو الليل لا يسبق النهار فيجيء في غير الوقت المقدر له] {وكل في فلك([7]) يسبحون} يسيرون.
([2]) التي لا نبت فيها ولا زرع، وموتها جدبها.
([3]) أي: لا يقدرون على صنع شيء بغير خلق الله تعالى، فالعبد وفعله ومفعوله كل بخلق الله تعالى.
([4]) الشمراخ: العود الدقيق الذي يكون عليه البسر (البلح)، ثم يصير البس تمرا، وأصل الشماريخ من العذق، وقيل: العرجون هو العذق نفسه تقطع منه الشماريخ ويبقى على النخل يابسا متقوسا.
([5]) الـمحول: الذي مر عليه الحول.
([6]) أي على انفراده، إذا طلعت الشمس نهارا لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر ليلا لم يكن للشمس ضوء.
([7]) الفلك: المدار، الشمس لها مدار، والقمر له مدار، والليل له مدار والنهار له مدار.
