تفسير سورة فاطر من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة فاطر من الآية أحد عشر إلى عشرين
والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) - {والله خلقكم} أي أباكم {من تراب ثم} أنشأكم {من نطفة ثم جعلكم أزواجا} أصنافا، أو ذكرانا وإناثا {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} إلا معلومة له {وما يعمر من معمر} وما يعمر من أحد، وإنما سماه معمرا بما هو صائر إليه {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} يعني اللوح {إن ذلك} أي إحصاءه، أو زيادة العمر ونقصانه {على الله يسير} سهل.
- {وما يستوي البحران هذا} أي أحدهما {عذب فرات} شديد العذوبة {سائغ شرابه} مريء([1]) سهل الانحدار لعذوبته {وهذا ملح أجاج} شديد الـملوحة {ومن كل} ومن كل واحد منهما {تأكلون لحما طريا} هو السمك {وتستخرجون حلية تلبسونها} هي اللؤلؤ والـمرجان {وترى الفلك فيه} في كل {مواخر} شواق للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء: أي شقته {لتبتغوا من فضله} [لتطلبوا بركوبكم فيها لمعايشكم] من فضل الله {ولعلكم تشكرون} الله على ما ءاتاكم من فضله.
- {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} يدخل من ساعات أحدهما في الآخر {وسخر الشمس والقمر} [ذللهما في المسير بالطلوع والغروب لا يمتنعان عما سخرهما له، وعلق بهما معايش العباد ومصالحهم كما علق ذلك بتفاوت الليل والنهار في الفصول] {كل يجري لأجل مسمى} أي يوم القيامة ينقطع جريهما {ذلكم الله ربكم له الملك} [لا يخرج شيء في السماوات والأرض ومن فيهما عن ملكه وملكه فإياه فاعبدوا دون الأصنام] {والذين تدعون من دونه} يعني الأصنام التي تعبدونها من دون الله {ما يملكون من قطمير} وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة.
- {إن تدعوهم} أي الأصنام {لا يسمعوا دعاءكم} لأنهم جماد {ولو سمعوا} على سبيل الفرض {ما استجابوا لكم} لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية ويتبرأون منها {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم {ولا ينبئك مثل خبير} ولا [يخبرك] أيها المفتون بأسباب الغرور [مخبر كما يخبرك] الله الخبير بخبايا الأمور.
- {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة، وكيف لا ووجودهم به، وبقاؤهم به {والله هو الغني} عن الأشياء أجمع {الحميد} [المستحق للحمد].
- {إن يشأ يذهبكم} كلكم إلى العدم، فإن غناه بذاته لا بكم في القدم {ويأت بخلق جديد} يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئا، وهو بدون حمدكم حميد.
- {وما ذلك} الإنشاء والإفناء {على الله بعزيز} بممتنع.
- {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ولا تحمل نفس ءاثمة إثم نفس أخرى ولا تؤاخذ نفس بذنب نفس {وإن تدع مثقلة} نفس مثقلة بالذنوب أحدا {إلى حملها} ثقلها، أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك {لا يحمل منه شيء ولو كان} المدعو {ذا قربى} ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ، والفرق بين معنى قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ومعنى {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} [فاطر: 18] أن الأول دال على عدل الله في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، والثاني في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث حتى إن نفسا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وشقرها([2]) لم تجب ولم تغث وإن كان المدعو بعض قرابتها {إنما تنذر الذين يخشون ربهم} إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء {بالغيب} أي يخشون ربهم غائبين عن عذابه، وقيل: {بالغيب} في السر حيث لا اطلاع للغير عليه {وأقاموا الصلاة} في مواقيتها {ومن تزكى} تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي {فإنما يتزكى لنفسه} [فنفع ذلك له] {وإلى الله المصير} المرجع، وهو وعد للمتزكين بالثواب.
- {وما يستوي الأعمى والبصير} مثل للكافر والمؤمن، أو للجاهل والعالم.
{ولا الظلمات} مثل للكفر {ولا النور} للإيمان.
