تفسير سورة فاطر من الآية واحد إلى عشرة
سورة فاطر
مكية وهي خمس وأربعون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة فاطر من الآية واحد إلى عشرة
الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10)
- {الحمد لله} حمد ذاته تعليما وتعظيما {فاطر السماوات} مبتدئها ومبتدعها {والأرض} [خلقها على غير مثال سبق] {جاعل الملائكة رسلا} إلى عباده {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} المعنى أن الملائكة طائفة أجنحتها اثنان اثنان، أي لكل واحد منهم جناحان، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة {يزيد في الخلق} في خلق الأجنحة وغيره {ما يشاء} وقيل: الآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل([1])، وجزالة في الرأي([2])، وذلاقة في اللسان([3])، ومحبة في قلوب المؤمنين، وما أشبه ذلك {إن الله على كل شيء قدير} [لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحانه وتعالى].
- {ما يفتح الله للناس من رحمة} من أية رحمة، رزق أو مطر أو صحة أو غير ذلك {فلا ممسك لها} فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها، واستعير الفتح للإطلاق والإرسال، ألا ترى إلى قوله: {وما يمسك} يمنع ويحبس {فلا مرسل له} مطلق له {من بعده} من بعد إمساكه {وهو العزيز} الغالب القادر على الإرسال والإمساك {الحكيم} الذ يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه.
- {يا أيها الناس اذكروا} باللسان والقلب {نعمت الله عليكم} من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق، {هل من خالق غير الله} [استفهام بمعنى النفي، أي لا خالق سوى فاطر السماوات والأرض الذي بيده([4]) مفاتيح أرزاقكم ومغاليقها] {يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} بأنواع النبات {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك.
- {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله وتكذيبهم بها، وسلىٰ رسوله([5]) ﷺ بأن له في الأنبياء قبله أسوة {وإلى الله ترجع الأمور} كلام يشتمل على الوعد والوعيد من رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة الـمكذب والـمكذب بما يستحقانه.
- {يا أيها الناس إن وعد الله} بالبعث والجزاء {حق} كائن {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} فلا تخدعنكم الدنيا، ولا يذهلنكم التمتع بها، والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله {ولا يغرنكم بالله الغرور} أي الشيطان فإنه يمنيكم الأماني الكاذبة([6]) ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تعذيبك.
- {إن الشيطان لكم عدو} ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بحاله {فاتخذوه عدوا} في عقائدكم وأفعالكم، ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على معاداته في سركم وجهركم، ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} ثم كشف الغطاء فبنى الأمر كله على الإيمان وتركه فقال:
- {الذين كفروا لهم عذاب شديد} أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد، لأنه صار من حزبه، أي أتباعه {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه بل عادوه {لهم مغفرة وأجر كبير} لكبر جهادهم. ولما ذكر الفريقين قال لنبيه عليه الصلاة والسلام:
- {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} بتزيين الشيطان كمن لم يزين له؟! أو كمن هداه الله؟! فحذف لدلالة: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [أي: لا تهلك نفسك تأسفا عليهم وتحسرا] {إن الله عليم بما يصنعون} وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم.
- {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} [أي تجمعه بإثارته([7]) من مواضعه] {فسقناه} [أي تسوقه الرياح بأمرنا وتقديرنا] {إلى بلد ميت} [ليس فيه نبات ولا مرعى] {فأحيينا به} بالمطر لتقدم ذكره ضمنا {الأرض بعد موتها} يبسها {كذلك النشور} مثل إحياء الـموات نشور الأموات، [أي البعث بعد الموت].
{من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} العزة كلها مختصة بالله، عزة الدنيا وزعزة الآخرة، وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} [مريم: 81]، والذين ءامنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال تعالى: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} [النساء: 139]، فبين أن لا عزة إلا لله، والمعنى فليطلبها عند الله، لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ومعنى قوله إليه: إلى محل القبول والرضا، وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود، والكلم الطيب: [ككلمات] التوحيد أي لا إلٰه إلا الله، والعمل الصالح: العبادة الخالصة، يعني والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد {والذين يمكرون السيئات} الـمكرات السيئات، والمراد مكر قريش به عليه الصلاة والسلام حين اجتمعوا في دار الندوة {لهم عذاب شديد} في الآخرة {ومكر أولئك هو يبور} ومكر أولئك الذين مكروا هو خاصة يبور، أي يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعا وحقق فيهم قوله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30]، وقوله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43].
([1]) حصافة العقل: استحكامه وقوته.
([2]) جزالة الرأي: جودته وفخامته وإحكامه.
([3]) ذلاقة اللسان: حدته وطلاقته.
