تفسير سورة سبأ من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة سبأ من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) - {وقال الذين كفروا} أي أبو جهل وذووه {لن نؤمن بهذا القرءان ولا بالذي بين يديه} أي نزل قبل القرءان من كتب، أو القيامة والجنة والنار، يعني أنهم جحدوا أن يكون القرءان من الله، وأن يكون لما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون} محبوسون {عند ربهم يرجع} يرد {بعضهم إلى بعض القول} في الجدال، أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسوله عليه الصلاة والسلام: ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب {يقول الذين استضعفوا} أي الأتباع {للذين استكبروا} للرؤوس والمقدمين {لولا أنتم لكنا مؤمنين} لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله ﷺ.
- {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم} المراد إنكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه، وانهم أتوا من قبل اختيارهم {بل كنتم مجرمين} كافرين لاختياركم وإيثاركم الضلال على الهدى لا لقولنا.
- {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} بل مكركم بنا في الليل والنهار {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} أشباها، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائبا ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد {وأسروا الندامة} أضمروا أو أظهروا، وهو من الأضداد {لما رأوا العذاب} الجحيم {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} في أعناقهم، فجاء بالصريح للدلالة على ما استحقوا به الأغلال {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} في الدنيا.
- {وما أرسلنا في قرية من نذير} نبي {إلا قال مترفوها} متنعموها ورؤساؤها {إنا بما أرسلتم به كافرون} هذه تسلية للنبي ﷺ مما مني به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله ﷺ أهل مكة، وافتخروا بكثرة الأموال والأولاد، كما قال:
- {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، فأبطل الله ظنهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء، فربما وسع على العاصي وضيق على الـمطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما، أو ضيق عليهما، فلا ينقاس عليهما أمر الثواب بقوله:
- {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} قدر الرزق تضييقه، قال الله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} [الطلاق: 7] {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك.
- {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} [أي درجة ومنزلة] {إلا من ءامن وعمل صالحا} يعني أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة {فأولئك لهم جزاء الضعف} تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشرا {بما عملوا} بأعمالهم {وهم في الغرفات} غرف منازل الجنة {آمنون} من كل هائل وشاغل.
- {والذين يسعون في ءاياتنا} في إبطالها {معاجزين} {ظانين أنهم يفوتوننا] {أولئك في العذاب محضرون} [تحضرهم زبانية جهنم فيها].
- {قل إن ربي يبسط الرزق} يوسع {لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} يعوضه لا معوض سواه، إما عاجلا بالمال أو ءاجلا بالثواب {وهو خير الرازقين} الـمطعمين، لأن كل ما رزق غيره من سلطان أو سيد أو غيرهما فهو من رزق الله، أجراه على أيدي هؤلاء، وهو خالق الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق، وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهي.
{ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} هذا خطاب للملائكة، وتقريع للكفار، [وقد علم الله تعالى أن الملائكة منزهون برءاء مما وجه إليهم من السؤال، وإنما ذلك على طريق توقيف الكفار، وقد علم سوء ما ارتكبوه من عبادة غير الله، وأن من عبدوه متبرئ منهم] ونحوه قوله تعالى [خطابا لعيسى عليه السلام]: {ءانت قلت للناس اتخذوني} الآية [المائدة: 116].
