تفسير سورة سبأ من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة سبأ من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) - {قالوا} أي الملائكة: {سبحانك} تنزيها لك أن يعبد معك غيرك {أنت ولينا} أنت الذي نواليه [ونلتمس قربه بإخلاص العبادة له] {من دونهم} إذ لا موالاة بيننا وبينهم، فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم {بل كانوا يعبدون الجن} الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو كانوا يدخلون في أجواف الأصنام فيعبدون بعبادتها([1]) {أكثرهم} أكثر الإنس أو الكفار {بهم} بالجن {مؤمنون}.
- {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا} لأن الأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا يملك فيه أحد منفعة ولا مضرة لأحد، لأن الدار دار ثواب وعقاب، والـمثيب والـمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا التي هي دار التكليف، والناس فيها مخلى بينهم يتضارون ويتنافعون، والمراد أنه لا ضار ولا نافع يومئذ إلا هو. ثم ذكر عاقبة الظالمين بقوله: {ونقول للذين ظلموا} بوضع العبادة في غير موضعها { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} في الدنيا.
- {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا} إذا قرئ عليهم القرءان {بينات} واضحات {قالوا} أي المشركون: {ما هذا} أي محمد {إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا} أي القرءان {إلا إفك} [كذب] {مفترى} [بإضافته إلى الله تعالى] {وقال الذين كفروا للحق} للقرءان أو لأمر النبوة كله {لما جاءهم} وعجزوا عن الإتيان بمثله {إن هذا} الحق {إلا سحر مبين} بتوه على أنه سحر، ثم بتوه على أنه بين ظاهر.
- {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} ما أعطينا مشركي مكة كتبا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا!
ثم توعدهم على تكذبهم بقوله:
- {وكذب الذين من قبلهم} وكذب الذين تقدموا من الأمم الماضية والقرون الخالية الرسل كما كذبوا {وما بلغوا معشار ما ءاتيناهم} وما بلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون من طول الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم مستظهرون، فما بال هؤلاء.
- {قل إنما أعظكم بواحدة} بخصلة واحدة، فسرها بقوله: {أن تقوموا} والمعنى: إنما أعظكم بواحدة فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي أن تقوموا {لله} لوجه الله خالصا، لا لحمية وعصبية، بل لطلب الحق {مثنى} اثنين اثنين {وفرادى} فردا فردا {ثم تتفكروا} في أمر محمد ﷺ وما جاء به، أم الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق، وكذلك الفرد يتفكر في نفسه بعدل ونصفة ويعرض فكره على عقله، ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمي البصائر، ويمنع من الروية، ويقل الإنصاف به ويكثر الاعتساف ويثور عجاج([2]) التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب {ما بصاحبكم} يعني محمدا ﷺ {من جنة} جنون، والمعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} قدام عذاب شديد، وهو عذاب الآخرة.
ثم بين أنه لا يطلب أجرا على الإنذار بقوله:
- {قل ما سألتكم من أجر} على إنذاري وتبليغي الرسالة {فهو لكم} معناه نفي مسئلة الأجر رأسا، نحو: ما لي في هذا فهو لك، أي ليس لي فيه شيء {إن أجري} [ما ثوابي] {إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه.
- {قل إن ربي يقذف بالحق} بالوحي، والقذف: توجيه السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعار لمعنى الإلقاء، ومنه: {وقذف في قلوبهم الرعب} [الأحزاب: 26] ومعنى [يقذف بالحق}: يلقيه وينزله إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه {علام الغيوب} [أي هو علام الغيوب، فلا تخفى عليه حقائق الأشياء].
- {قل جاء الحق} الإسلام أو القرءان {وما يبدئ الباطل وما يعيد} قيل: الباطل الأصنام، وقيل: إبليس، أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحدا ولا يبعثه، فالـمنشئ والباعث هو الله.
ولما قالوا: قد ضللت بترك دين ءابائك، قال الله تعالى:
{قل إن ضللت} عن الحق {فإنما أضل على نفسي} إن زللت فمني وعلي {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} فبتسديده بالوحي إلي {إنه سميع} لما أقوله لكم {قريب} مني ومنكم [أي بالعلم، وقيل معناه: سميع ممن دعاه قريب الإجابة].
([1]) الشياطين كانوا يدخلون في بعض الأشجار، وبعض قبائل العرب كانت تعبد تلك الأشجار.
