تفسير سورة سبأ من الآية واحد إلى عشرة
سورة سبأ
مكية وهي أربع وخمسون ءاية
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة سبأ من الآية واحد إلى عشرة
الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10)
- {الحمد لله} فهو بما حمد به نفسه محمود [وله] لكل المحامد الاستحقاق {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا وقهرا، فكان حقيقا بأن يحمد سرا وجهرا {وله الحمد في الآخرة} كما هو له في الدنيا، إذ النعم في الدارين من المولى، غير أن الحمد هنا واجب([1]) لأن الدنيا دار تكليف، وثم لا لعدم التكليف، وإنما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم: {الحمد لله الذي صدقنا وعده} [سورة الزمر: 74]، {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] {وهو الحكيم} بتدبير ما في السماء والأرض {الخبير} بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض.
- {يعلم ما يلج} ما يدخل {في الأرض} من الأموات والدفائن {وما يخرج منها} من النبات وجواهر المعادن {وما ينزل من السماء} من الأمطار وأنواع البركات {وما يعرج فيها} يصعد إليها من الملائكة والدعوات {وهو الرحيم} بإنزال ما يحتاجون إليه {الغفور} لما يجترئون عليه.
- {وقال الذين كفروا} أي منكروا البعث {لا تأتينا الساعة} نفي للبعث وإنكار لمجيء الساعة {قل بلى} [رد لكلامهم وإثبات لما نفوه] {وربي لتأتينكم} أعيد إيجابهم مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، ثم أمد التوكيد القسمي بما أتبع المقسم به من الوصف بقوله: {عالم الغيب} لما كان قيام الساعة من مشاهير الغيوب وأدخلها في الخفية كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق {لا يعزب عنه} [لا يبعد ولا يغيب عن علمه] {مثقال ذرة} مقدار أصغر نملة {في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك} من مثقال ذرة {ولا أكبر} من مثقال ذرة {إلا في كتاب مبين} إلا في اللوح المحفوظ.
- {ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} [علة لقوله: {لتأتينكم} وبيان لما يقتضي إتيانها] {أولئك لهم مغفرة} [لذنوبهم] {ورزق كريم} [ولهم مع مغفرة ذنوبهم عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أعد لهم فيها من الكرامة].
- {والذين سعوا في ءاياتنا} جاهدوا في رد القرءان {معاجزين} مسابقين ظانين أنهم يفوتوننا {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} عذاب أليم من سيئ العذاب.
- {ويرى} أي ويعلم {الذين أوتوا العلم} يعني أصحاب رسول الله ﷺ ومن يطأ أعقابهم من أمته {الذي أنزل إليك من ربك} يعني القرءان {هو الحق} أي ليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علما لا يزاد عليه في الإيقان {ويهدي} الله، أو الذي أنزل إليك {إلى صراط العزيز الحميد} وهو دين الله.
- {وقال الذين كفروا} قال قريش بعضهم لبعض: {هل ندلكم على رجل} يعنون محمدا ﷺ، وإنما نكروه – مع أنه كان مشهورا علما([2]) في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم – تجاهلا به وبأمره {ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب، أنكم تبعثون وتنشؤون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق، أي يفرقكم كل تفريق.
- {أفترى على الله كذبا} أهو مفترس على الله كذبا فيما نسب إليه من ذلك؟ {أم به جنة} جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} ثم قال سبحانه وتعالى: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو مبرأ منهما، بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجن الجنون، جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في الضلال([3])، كأنهم كائنان في وقت واحد، لأن الضلال لما كان العقاب من لوازمه جعلا كأنهما مقترنان، ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي، لأن البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادة([4]).
- {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أعم,ا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم أو يسقط عليهم كسفا – [أي قطعا من السماء] – لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء به كما فعل بقارن وأصحاب الأيكة {إن في ذلك} النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى {لآية} لدلالة {لكل عبد منيب} راجع بقلبه إلى ربه مطيع له، إذ المنيب لا يخلو من النظر في ءايات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به.
{ولقد ءاتينا داوود منا فضلا} [أمرا فضلناه به على غيره] {ياجبال} قلنا: يا جبال {أوبي معه} رجعي([5]) معه التسبيح، ومعنى تسبيح الجبال أن الله يخلق فيها تسبيحا فيسمع منها كما يسمع من الـمسبح، معجزة لداود عليه السلام {والطير} عطف على محل الجبال، [وكانت الطير تسبح معه إذا سبح]، وفي هذا النظم من الفخامة ما لا يخفى حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا، وإذا دعاهم أجابوا، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئة الله تعالى {وألنا له الحديد} وجعلناه له لينا كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة.
([1]) الحمد الواجب: معناه عدم معصية الله تعالى بنعمه التي أنعم بها على عباده وليس مجرد قول: الحمد لله، أو المدح لله، أو الثناء لله، فهذا مستحب وليس واجبا.
([3]) رسيلا له: أي قرينا له في الوقوع.
([4]) وصف الضلال بالبعيد إعلاما بشدة ضلال أولئك الضالين، لتأكيد معنى الضالين.
