تفسير سورة لقمان من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة لقمان من الآية أحد عشر إلى عشرين
هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (20) - {هذا} إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته {خلق الله} مخلوقه {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} يعني ءالهتهم، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله فأروني ما خلقته ءالهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة { بل الظالمون في ضلال مبين} أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم([1]) بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال.
- {ولقد ءاتينا لقمان الحكمة} وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وأدرك داود وأخذ منه العلم، والجمهور على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا {أن اشكر لله} نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر، [أو معناه: قلنا له: اشكر الله على ما ءاتاك من الحكمة]، والشكر ألا تعصي الله بنعمه {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} لأن منفعته تعود إليه {ومن كفر} النعمة {فإن الله غني} غير محتاج إلى الشكر {حميد} حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد.
- {وإذ} واذكر إذ {قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلا.
- {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} حملته تهن وهنا على وهن أي تضعف ضعفا فوق ضعف، أي يتزايد ضعفها ويتضاعف، لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلا وضعفا {وفصاله في عامين} فطامه عن الرضاع لتمام عامين {أن اشكر لي ولوالديك} وصيناه بشكرنا وبشكر والديه {إلي المصير} أي مصيرك إلي وحسابك علي.
- {وإن جاهداك} [وإن اجتهدا عليك واستفرغا مجهودهما لك] {على أن تشرك بي ما ليس لك به علم} أراد بنفي العلم به نفيه، أي لا تشكر بي ما [لا يصح أن يكون إلها، أو ما ليس لك به علم باستحقاقه الإشراك، تقليدا لهما]، يريد الأصنام {فلا تطعهما} في الشرك {وصاحبهما في الدنيا معروفا} بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة {واتبع سبيل من أناب إلي} سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا {ثم إلي مرجعكم} أي مرجعك ومرجعهما {فأنبئكم بما كنتم تعملون} فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، وقد اعترض بهاتين الآيتين على سبيل الاستطراد تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك.
- {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} أي إن كانت [الخصلة من الإحسان أو الإساءة] مثلا في الصغر كحبة خردل {فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض} أي فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي {يأت بها الله} يوم القيامة فيحاسب بها عاملها {إن الله لطيف} يتوصل علمه إلى كل خفي {خبير} عالم بكنهه، أو لطيف باستخراجه خبير بمستقرها.
- {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} في ذات الله تعالى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أو على ما أصابك من الـمحن فإنها تورث الـمنح {إن ذلك} الذي أوصيك به {من عزم الأمور} مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام، أي أمرهم به أمرا حتما.
- {ولا تصعر خدك للناس} المعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون {ولا تمش في الأرض مرحا} لأجل [البطر] والأشر، [أي خيلاء] {إن الله لا يحب كل مختال} متكبر {فخور} من يعدد مناقبه تطاولا.
- {واقصد} القصد: التوسط [والاعتدال] {في مشيك} أي اعدل فيه حتى يكون مشيأ بين مشيين لا تدب دبيب الـمتماوتين([2])، ولا تثب وثب الشطار([3]) {واغضض من صوتك} أي اخفض صوتك [ولا ترفعه كفعل المتعظم] {إن أنكر الأصوات} أوحشها {لصوت الحمير} لأن أوله زفير وءاخره شهيق كصوت أهل النار، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم [لغير حاجة] بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن رفع الصوت [في ذلك] في غاية الكراهة، [فإنه بحسب المرء من الكلام ما أسمع جليسه].
{ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات} يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك {وما في الأرض} يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك {وأسبغ} وأتم {عليكم نعمه} النعمة كل نفع قصد به الإحسان {ظاهرة} بالمشاهدة {وباطنة} ما لا يعلم إلا بدليل، ثم قيل: الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} نزلت في النضر ابن الحارث، وقد مر في الحج([4]).
([1]) سجل عليه بكذا: شهره ووسمه به.
([2]) يقال: تماوت الرجل إذا أظهر من نفسه التخافت والتضاعف.
([4]) مر تفسير هذا عند تفسير الآية الثامنة في سورة الحج، لكن ذكر هناك أنها نزلت في أبي جهل، وقد اختلف المفسرون فيمن نزلت فقيل في أبي جهل، وقيل في النضر، وقيل في الأخنس بن شريق.
