تفسير سورة الروم من الآية واحد إلى عشرة
سورة الروم
مكية وهي ستون أو تسع وخمسون ءاية والاختلاف في
{في بضع سنين}([1])
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة الروم من الآية واحد إلى عشرة
الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون (10)
- 2- {الم (1) غلبت الروم} غلبت فارس الروم.
- {في أدنى الأرض} في أقرب أرض للعرب، لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، وهي أطراف الشام، أو في أدنى أرضهم إلى عدوهم {وهم} أي الروم {من بعد غلبهم} أي غلبة فارس إياهم {سيغلبون} فارس.
- {في بضع سنين} [البضع] ما بين الثلاث إلى العشرة، قيل: احتربت فارس والروم بين أذرعات([2]) وبصرى([3])، فغلبت فارس الروم، والـملك بفارس يومئذ كسرى أبرويز، فبلغ الخبر مكة، فشق على المؤمنين، لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر([4]) إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم فنزلت، فقال لهم أبو بكر: والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت، فناحبه([5]) على عشر قلائص([6]) من كل واحد منهما، وجعل الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله ﷺ فقال عليه الصلاة والسلام: «زد في الخطر([7]) وأبعد في الأجل» فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات ابي من جرح رسول الله ﷺ، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية أو يوم بدر، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، فقال عليه الصلاة والسلام: «تصدق به». وهذه ءاية بينة على صحة نبوته وأن القرءان من عند الله، لأنها إنباء عن الغيب، وكان ذلك قبل تحريم القمار. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد([8]) أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار([9])، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة {لله الأمر من قبل ومن بعد} من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء أو حين غلبوا وحين يغلبون {ويومئذ} ويوم تغلب الروم على فارس ويحل ما وعد الله من غلبتهم {يفرح المؤمنون}.
- {بنصر الله} نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم {ينصر من يشاء وهو العزيز} الغالب على أعدائه {الرحيم} [بأوليائه المؤمنين].
- {وعد الله} مصدر مؤكد، لأن قوله: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون} وعد من الله {لا يخلف الله وعده} بنصر الروم على فارس {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك.
- {يعلمون} فيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا، وقوله: {ظاهرا من الحياة الدنيا} يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة وبالأعمال الصالحة {وهم عن الآخرة هم غافلون} فيه بيان أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها.
- {أولم يتفكروا في أنفسهم} كأنه قيل: أولم يثبتوا التفكر في أنفسهم، أي في قلوبهم الفارغة من الفكر، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين كقوله: اعتقده في قلبك، [أو] أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا وباطنا من غرائب الحكم الالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير {ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} ما خلقها باطلا وعبثا بغير حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، إنما خلقها مصحوبة بالحكمة وبتقدير أجل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة {وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم} بالبعث والجزاء {لكافرون} لجاحدون.
- {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} هو تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى ءاثار الـمدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية، ثم وصف حالم فقال: {كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض}([10]) وحرثوها {وعمروها} أي المدمرون {أكثر مما عمروها} أي من عمارة أهل مكة {وجاءتهم رسلهم بالبينات} فلم يؤمنوا، فأهلكوا {فما كان الله ليظلمهم} فما كان تدميره إياهم ظلما لهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما [استحقوا به] تدميرهم.
{ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى} تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى: عوقبوا في الدنيا في الدنيا بالدمار، ثم كانت عاقبتهم أسوأ العقوبات في الآخرة، وهي النار التي أعدت للكافرين {أن كذبوا} لأن كذبوا {بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون} ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم.
([1]) عدها بعض القراء ءاية مستقلة، ولم يعدها ءاخرون، وقيل: الاختلاف في {الم} وقيل: في {غلبت الروم}.
([2]) أذرعات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان.
([3]) بصرى: هي قصبة كورة حوران من أعمال دمشق.
([6]) قلائص: جمع قلوص، وهي الشابة من الإبل، خاص بالإناث.
([8]) محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة.
([9]) بشرط ألا يكون المسلم مغبونا، بل يعتقد أنه رايح عليهم.
([10]) أولئك كان فيهم من عاش في الملك مئات السنين، شداد بن عاد عاش تسعمائة سنة، حكم الدنيا، كان تحته مائتان وستون ملكا، ثم أراد أن يبني مدينة على صفة الجنة على حسب ما يسمع من صفات الجنة، ثم بعد أن بنى المدينة التي أراد قبل أن يدخلها أهلكه الله، هذا عربي بعد نوح عليه السلام، كان مقره اليمن.
