تفسير سورة العنكبوت من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
- تفسير سورة العنكبوت من الآية واحد وأربعين إلى خمسين
مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) - {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت، فإن ذلك بيت لا يدفع عنها الحر والبرد، ولا يقي ما تقي البيوت، فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} لا بيت أوهن من بيتها {لو كانوا يعلمون} أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن.
- {إن الله يعلم ما يدعون} أي يعبدونه {من دونه من شيء} [من الأصنام] {وهو العزيز} الغالب الذي لا شريك له {الحكيم} في ترك المعاجلة بالعقوبة، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة، وتروا عبادة القادر القاهر على كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل كل شيء إلا بحكمة وتدبير.
- {وتلك الأمثال نضربها} نبينها {للناس} كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال: {وما يعقلها إلا العالمون} به وبأسمائه وصفاته، أي لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا هم، لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد.
- {خلق الله السماوات والأرض بالحق} يعني لم يخلقهما باطلا، بل لحكمة، وهي أن تكونا مساكن عباده وعبرة للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته {إن في ذلك لآية للمؤمنين} خصهم بالذكر لانتفاعهم بها.
- {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} تقربا إلى الله تعالى بقراءة كلامه، ولتقف على ما أمر به ونهى عنه {وأقم الصلاة} دم على إقامة الصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء} الفعلة القبيحة كالزنا مثلا {والمنكر} هو ما ينكره الشرع، قيل: من كان مراعيا للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السيئات يوما ما [من حيث إنها تذكر الله وتورث النفس خشية منه]، روي أنه قيل يوما لرسول الله ﷺ: إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال: «إن صلاته لتردعه». {ولذكر الله أكبر} أي والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، وقال ابن عطاء: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له، لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني {والله يعلم ما تصنعون} من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن الثواب.
- {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} بالخصلة التي هي أحسن، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم {إلا الذين ظلموا منهم} فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة، أو ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسيف، وقوله: {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} من جنس المجادلة بالأحسن، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: ءامنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم».
- {وكذلك} ومثل ذلك الإنزال {أنزلنا إليك الكتاب} أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية {فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به} هم عبد الله بن سلام ومن ءامن معه {ومن هؤلاء} من أهل مكة {من يؤمن به}، أو أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب {ومن هؤلاء} الذين كانوا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام، {وما يجحد بآياتنا} مع ظهورها وزال الشبهة عنها {إلا الكافرون} المتوغلون في الكفر الـمصممون عليه ككعب بن الأشرف وأضرابه.
- {وما كنت تتلو من قبله} من قبل القرءان {من كتاب ولا تخطه بيمينك} خص اليمين لأن الكتابة غالبا تكون باليمين، أي ما كنت قرأت كتابا من الكتب ولا كنت كاتبا {إذا} لو كان شيء من ذلك، أي من التلاوة ومن الخط {لارتاب المبطلون} من أهل الكتاب وقالوا: الذي نجده في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده.
- {بل هو} أي القرءان {ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} في صدور العلماء به وحفاظه، وهما من خصائص القرءان، كون ءاياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور، بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، ولا كانت تقرأ إلا من المصاحف {وما يجحد بآياتنا} الواضحة {إلا الظالمون}([1]) المتوغلون في الظلم.
{وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه} أرادوا: هلا أنزل عليه ءايات مثل الناقة والعصا ومائدة عيسى عليه السلام ونحو ذلك {قل إنما الآيات عند الله} ينزل أيتها شاء، ولست أملك شيئا منها {وإنما أنا نذير مبين} كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أقول: أنزل علي ءاية كذا دون ءاية كذا مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم ءاية واحدة في ذلك.
([1]) الظالمون تكرر ذكره في القرءان بمعنى الكفار، وهذا الموضع من ذلك {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص: 50] على هذا الوجه، أي من كتب الله أنه لا يؤمن لا يهديه.
