تفسير سورة العنكبوت من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة العنكبوت من الآية واحد وخمسين إلى ستين
أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) - {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} ألم يكفهم ءاية مغنية عن سائر الآيات – إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين – هذا القرءان الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، فلا يزال معهم ءاية ثابتة لا تزول([1]) كما تزول كل ءاية بعد كونها، وتكون في مكان دون مكان {إن في ذلك} في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكان وزمان إلى ءاخر الدهر {لرحمة} لنعمة عظيمة {وذكرى} تذكرة {لقوم يؤمنون} دون المتعنتين.
- {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} شاهدا بصدق ما أدعيه من الرسالة وإنزال القرءان علي وبتكذيبكم {يعلم ما في السماوات والأرض} فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم {والذين ءامنوا بالباطل} باليهودية، أو بالشرك أو بإبليس {وكفروا بالله} وآياته {أولئك هم الخاسرون} المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزلت.
- {ويستعجلونك بالعذاب} بقولهم: {فأمطر علينا حجارة من السماء} الآية [الأنفال: 32] {ولولا أجل مسمى} وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، أو وقت فنائهم بآجالهم، والمعنى: لولا أجل قد سماه الله وبينه في اللوح لعذبهم، والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى {لجاءهم العذاب} عاجلا {وليأتينهم} العذاب في الأجل المسمى {بغتة} فجأة {وهم لا يشعرون} بوقت مجيئه.
- {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي ستحيط بهم [في الآخرة لا محالة].
- {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} جزاء أعمالكم.
- {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} يعني أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كثيرا، وقالوا: لم نجد أعون على قهر النفس، وأجمع للقلب، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد من الفتن، وأربط للأمر الديني من مكة حرسها الله تعالى {فإياي فاعبدون} [لا ما يدعوكم إليه المشركون].
ثم شجع المهاجر بقوله:
- {كل نفس ذائقة الموت} واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم الـمذوق، لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها {ثم إلينا ترجعون} بعد الموت للثواب والعقاب.
- {والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا} لننزلنهم من الجنة علالي، [قصورا رفيعة عالية] {تجري من تحتها الأنهار} [من تحت أشجارها وقصورها] {خالدين فيها} [لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها] {نعم أجر العاملين} [نعم جزاء العاملين بطاعة الله هذه الغرف].
- {الذين صبروا} هم الذين صبروا على مفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى الـمحن والمصائب، وعلى الطاعات وعن المعاصي {وعلى ربهم يتوكلون} ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله.
ولما أمر رسول الله ﷺ من أسلم من مكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فنزلت:
{وكأين من دابة} وكم من دابة، والدابة كل نفس دبت على وجه الأرض عقلت أم لم تعقل {لا تحمل رزقها} لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله {الله يرزقها وإياكم} أي لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يقدركم ولم يقدر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل، وعن الحسن: {لا تحمل رزقها} لا تدخره، إنما تصبح فيرزقها الله {وهو السميع} لقولكم: نخشى الفقر والضيعة {العليم} بما في ضمائركم.
([1]) تلك المعجزات التي أنزلت على الأنبياء قبل الرسول صلى الله وسلم عيه وعليهم أجمعين انقضت، أما القرءان فمعجزة باقية.
