تفسير سورة النمل من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة النمل من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) - {لأعذبنه عذابا شديدا} بنتف ريشه وإلقائه في الشمسن أو بالتفريق بينه وبين إلفه، أو بإلزامه خدمة أقرانه، أو بإيداعه القفص، وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة، كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة {أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته.
- {فمكث} الهدهد بعد تفقد سليمان إياه {غير بعيد} مكثا غير طويل، فلما رجع سأله عما لقي في غيبته {فقال أحطت} علمت شيئا من جميع جهاته {بما لم تحط به} ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتى من فضل النبوة والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه {وجئتك من سبإ} [اسم بلد باليمن} {بنبإ يقين} النبأ الخبر الذي له شأن.
- {إني وجدت امرأة} هي بلقيس بنت شراحيل وكان أبوها ملك أرض اليمن ولم يكن له ولد غيرها فغلبت على الـملك، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس {تملكهم} [أي تملك أهل سبأ] {وأوتيت من كل شيء} من أسبابسبابأسبا الدنيا ما يليق بحالها [مما تحتاج إليه الملوك] {ولها عرش عظيم} سرير عظيم كبير، قيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين ذراعا، وطوله في الهواء ثمانون ذراعا، وكان من ذهب وفضة، وكان مرصعا بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودر وزمرد، وعليه سبعة أبيات، على كل بيت باب مغلق.
- {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم} [حبب إليهم كفرهم ومعاصيهم] {فصدهم عن السبيل} سبيل التوحيد {فهم لا يهتدون} إلى الحق، ولا يبعد من الهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وحرمة السجود للشمس إلهاما من الله كما ألهمه وغيره من الطيور المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها.
- {ألا يسجدوا لله} أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا {الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض} خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، [أي ينزل من السماء المطر ويخرج من الأرض النبات] {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} [وصف له تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة والعلم].
- {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} وصف الهدهد عرش الله بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض، ووصفه عرش بلقيس تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. إلى ههنا كلام الهدهد، فلما فرغ من كلامه.
- {قال} سليمان للهدهد: {سننظر} من النظر الذي هو التأمل {أصدقت} فيما أخبرت {أم كنت من الكاذبين} هذا أبلغ من أم كذبت، ثم كتب سليمان كتابا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. وطبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، وقال للهدهد:
- {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} إلى بلقيس وقومها، وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع [لأن الهدهد] ذكرهم معها في قوله: وجدتها وقومها يسجدون للشمس {ثم تول عنهم} تنح عنهم إلى مكان قريب بحيث تراهم ولا يرونك ليكون ما يقولونه بمسمع منك {فانظر ماذا يرجعون} ما الذي يردونه من الجواب، فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره، ودخل عليها من كوة، فطرح الكتاب على نحرها وهي راقدة، وتوارى في الكوة، فانتبهت فزعة، أو أتاها والجنود حواليها وألقى الكتاب في حجرها، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم.
- {قالت} لقومها خاضعة خائفة {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} حسن مضمونة، أو مختوم.
{إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} هو تبيين لما ألقي إليها، كأنها لما قالت: إني ألقي إلي كتاب كريم، قيل لها: ممن هو وما هو؟ فقالت: إنه من سليمان وإنه كيت وكيت.
