تفسير سورة النور من الآية واحد وستين إلى أربع وستين
- تفسير سورة النور من الآية واحد وستين إلى أربع وستين
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) - {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو مع النبي ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند أقاربهم، ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فنزلت الآية رخصة لهم {ولا على أنفسكم} حرج {أن تأكلوا من بيوتكم} أي بيوت أولادكم، لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه، ولذا لم يذكر الأولاد في الآية، أو بيوت أزواجكم، لأن الزوجين صارا كنفس واحدة، فصار بيت المرأة كبيت الزوج {أو بيوت ءابائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم} لأن الإذن من هؤلاء ثابت دلالة {أو ما ملكتم مفاتحه} هو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته([1]) وماشيته، له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، وأريد بملك المفاتح كونها في يده وحفظه {أو صديقكم} يعني أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحدا وجمعا هو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك، وكان الرجل من السلف يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه، فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها أعتقها سرورا بذلك، فأما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يؤكل إلا بإذن {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا} مجتمعين {أو أشتاتا} متفرقين، نزلت في بني ليث ابن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة([2]) {فإذا دخلتم بيوتا} من هذه البيوت لتأكلوا {فسلموا على أنفسكم} فابدؤوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة، أو بيوتا فارغة، أو مسجدا، فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين {تحية من عند الله} ثابتة بأمره مشروعة من لدنه {مباركة طيبة} وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} لكي تعقلوا وتفهموا.
- {إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع} أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين {لم يذهبوا حتى يستأذنوه} أي ويأذن لهم، ولما أراد الله عز وجل أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع، جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله([3])، ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا حيث أعاده على أسلوب ءاخر وهو قوله: {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} وضمنه شيئا ءاخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرض بحال المنافقين وتسللهم لواذا {فإذا استأذنوك} في الانصراف {لبعض شأنهم} أمرهم {فأذن لمن شئت منهم} فيه رفع شأنه عليه الصلاة والسلام {واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل ألا يستأذنوه([4])، قالوا: وينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن، قيل: نزلت يوم الخندق، كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان.
- {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} أي إذا احتاج رسول الله ﷺ إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضا ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، فلا تقولوا([5]): يا محمد، ولكن: يا نبي الله، يا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض {قد يعلم الله الذين يتسللون} يخرجون قليلا قليلا {منكم لواذا} اللواذ: هو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، أي ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} الذين يصدون عن أمره، وهم المنافقون {أن تصيبهم فتنة} محنة في الدنيا، أو زلازل وأهوال، أو تسليط سلطان جائر، أو قسوة القلب عن معرفة الرب، أو إسباغ النعم استدراجا {أو يصيبهم عذاب أليم} في الآخرة.
- {ألا إن لله ما في السماوات والأرض} تنبيه على ألا يخالفوا أمر من له ما في السماوات والأرض {قد يعلم ما أنتم عليه} المعنى أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به خلقا وملكا وعلما، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها {ويوم يرجعون إليه} ويعلم يوم يردون إلى جزائه، وهو يوم القيامة {فينبئهم} يوم القيامة {بما عملوا} بما أبطنوا من سوء أعمالهم، ويجازيهم حق جزائهم {والله بكل شيء عليم} فلا يخفى عليه خافية.
([1]) ضيعة الرجل: ماله من نخل وكرم ونحوهما، ويطلق على الأرض الـمغلة أيضا.
([3]) أي: ذكره في الآية الكريمة بعد الإيمان بالله والإيمان برسوله.
([5]) أي: فلا تخاطبوه بوجهه بهذا اللفظ «يا محمد» وأما في غيبته عليه الصلاة والسلام فلا بأس بقول «يا محمد» كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه الطبراني وصححه، وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام علم الأعمى أن يقول يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، وكما ورد في حديث ابن عمر حين خدرت رجله فقال «يا محمد» رواه البخاري في الأدب المفرد وغيره.
