تفسير سورة النور من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة النور من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) - {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} ءاثاره ووساوسه بالإصغاء إلى الإفك والقول فيه {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه} فإن الشيطان {يأمر بالفحشاء} ما أفرط قبحه {والمنكر} ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الـممحصة([1]) لما طهر منكم أحد ءاخر الدهر من دنس إثم الإفك {ولكن الله يزكي من يشاء} يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها {والله سميع} لقولهم {عليم} بضمائرهم وإخلاصهم.
- {ولا يأتل} ولا يحلف {أولوا الفضل منكم} في الدين {والسعة} في الدنيا {أن يؤتوا} لا يؤتوا {أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} أي لا يحلفوا على ألا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان، وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها {وليعفوا وليصفحوا} العفو: الستر، والصفح: الإعراض، أي وليتجاوزوا عن الجفاء وليعرضوا عن العقوبة {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} فليفعلوا بهم ما يرجون أن يفعل بهم ربهم مع كثرة خطاياهم {والله غفور رحيم} [مع كمال قدرته على مجازاة الخطايا بالعقوبة، فاصفحوا وارحموا كما ترجون من الله تعالى ذلك]، نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا ينفق على مسطح ابن خالته لخوضه في عائشة رضي الله عنها، وكان مسكينا بدريا مهاجرا، ولما قرأها النبي ﷺ على أبي بكر قال: بلى أحب أن يغفر الله لي، ورد إلى مسطح نفقته.
- {إن الذين يرمون المحصنات} العفائف {الغافلات} السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور {المؤمنات} بما يجب الإيمان به، عن ابن عباس رضي الله عنهما: هن أزواجه عليه الصلاة والسلام، وقيل: هن جميع المؤمنات، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقيل: أريدت عائشة رضي الله عنها وحدها، وإنما جمع لأن من قذف واحدة من نساء النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قذفهن {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} جعل القذفة ملعونين في الدارين، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة إن لم يتوبوا.
- {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} أي بما أفكوا أو بهتوا.
- {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} أي يوفيهم جزاءهم الحق الثابت الذي هم أهله {ويعلمون} عند ذلك {أن الله هو الحق المبين} لارتفاع الشكوك وحصول العلم الضروري، [وقد غلظ] الله تعالى في القرءان الكريم في إفك عائشة رضي الله عنها [تغليظا شديدا] فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر.
- {الخبيثات} من القول تقال {للخبيثين} من الرجال والنساء {والخبيثون} منهم يتعرضون {للخبيثات} من القول، [أي الفساق هم الذين يليق بهم الكلام الخبيث ويلصق بهم]، وكذلك {والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون} فيهم، وأولئك إشارة على الطيبين، وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم، وهو كلام جار مجرى الـمثل لعائشة رضي الله عنها، وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب {لهم مغفرة ورزق كريم} في الجنة، ودخل ابن عباس رضي الله عنهما على عائشة رضي الله عنها في مرضها وهي خائفة من القدوم على الله تعالى فقال: لا تخافي لأنك لا تقدمين إلى على مغفرة ورزق كريم، وتلا الآية، فغشي عليها فرحا بما تلا، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة، نزل جبريل بصورتي([2]) في راحته حين أمر عليه الصلاة والسلام أن يتزوجني، وتزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، وتوفي عليه الصلاة والسلام ورأسه في حجري([3])، وقبر في بيتي، ونزل عليه الوحي وأنا في لحافه، وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة عند طيب، ووعدت مغفرة ورزقا كريما. وقال حسان معتذرا في حقها: [الطويل]
حصان([4]) رزان([5]) ما تزن بريبة([6]) |
| وتصحب غرثى([7]) من لحوم الغوافل([8]) |
- {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} بيوتا لستم تملكونها ولا تسكنونها {حتى تستأنسوا} تستأذنوا {وتسلموا على أهلها} والتسليم أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا رجع، وقيل: إن تلاقيا يقدم التسليم وإلا فالاستئذان {ذلكم} الاستئذان والتسليم {خير لكم} من تحية الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن، كان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول: حييتم صباحا وحييتم مساء، ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد {لعلكم تذكرون} قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا ما أمرتم به في باب الاستئذان.
- {فإن لم تجدوا فيها} في البيوت {أحدا} من الآذنين {فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} حتى تجدوا من يأذن لكم {وإن قيل لكم ارجعوا} إذا كان فيها قوم فقالوا: ارجعوا {فارجعوا} ولا تلحوا في إطلاق الإذن ولا تقفوا على الأبواب، لأن هذا مما يجلب الكراهة {هو أزكى لكم} أي الرجوع أطيب وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة {والله بما تعملون عليم} وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه.
- {ليس عليكم جناح أن تدخلوا} في أن تدخلوا {بيوتا غير مسكونة} استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها كالخانات والربط([9]) وحوانيت التجار [فيها متاع لكم} منفعة كالاستكنان([10]) من الحر والبرد وإيواء الرحال([11]) والسلع والشراء والبيع {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} المراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل {ويحفظوا فروجهم} عن الزنا {ذلك} أي غض البصر وحفظ الفرج {أزكى لهم} أطهر من دنس الإثم {إن الله خبير بما يصنعون} فيه ترغيب وترهيب، يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19] فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون.
([2]) أي حاملا لصورتها في راحته.
([4]) امرأة حصان: عفيفة بينة الحصانة.
([5]) امرأة رزان: ذات ثبات ووقار وعفاف.
([6]) ما تزن بريبة: أي لا تتهم بشيء مما يرتاب به.
([8]) معناه هي لا تغتاب الناس فتأكل لحومهم.
