تفسير سورة النور من الآية واحد إلى عشرة
سورة النور
مدنية وهي ستون وأربع ءايات
بسم الله الرحمـن الرحيم
تفسير سورة النور من الآية واحد إلى عشرة
سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10)
- {سورة} أي هذه سورة {أنزلناها وفرضناها} فرضنا أحكامها التي فيها {وأنزلنا فيها آيات بينات} دلائل واضحات {لعلكم تذكرون} لكي تتعظوا. ثم فصل أحكامها فقال:
- {الزانية والزاني} أي فيما فرض عليكم الزانية والزاني أي جلدها {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} الجلد: ضرب الجلد، وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الألم إلى اللحم، والخطاب للأئمة، لأن إقامة الحد من الدين، وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم، وهذا حكم حر ليس بمحصن، إذ حكم المحصن الرجم، وشرائط إحصان الرجم: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والتزوج بنكاح صحيح والدخول {ولا تأخذكم بهما رأفة} أي رحمة، والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده فيعطلوا الحدود أو يخففوا الضرب {في دين الله} في طاعة الله، أو حكمه {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} من باب التهييج([1]) وإلهاب الغضب لله ولدينه {وليشهد عذابهما} وليحضر موضع حدهما، وتسميته عذابا دليل على أنه عقوبة {طائفة من المؤمنين} فرقة من المصدقين بالله يمكن أن تكون حلقة ليعتبروا وينزجر [الزاني].
- {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} أي الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في خبيثة من شكله أو في مشركة، والخبيثة الـمسافحة([2]) كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين، فالآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح([3])، والإيمان قرين العفاف والتحصن، وقيل: كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] [فإنه يتناول المسافحات لأن الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له رجلا أو امرأة، بكرا كان أو ثيبا] {وحرم ذلك على المؤمنين} أي الزنا أو نكاح البغايا لقصد التكسب بالزنا([4]) أو لما فيه من التشبيه بالفساق، وحضور مواقع التهمة، والتسبب بسوء القالة فيه والغيبة، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب([5]).
- {والذين يرمون المحصنات} يقذفون بالزنا الحرائر والعفائف المسلمات المكلفات {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} شهود يشهدون على الزنا، وشروط إحصان القذف: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} إن كان القاذف حرا {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} نكر {شهادة} فتعم كل شهادة، ورد الشهادة من الحد عندنا([6])، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يتعلق رد شهادته بنفس القذف {وأولئك هم الفاسقون} حكاية حال الرامين عند الله تعالى.
- {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} القذف {وأصلحوا} أحوالهم {فإن الله غفور رحيم} يغفر ذنوبهم ويرحمهم.
ولما ذكر حكم قذف الأجنبيات بين حكم قذف الزوجات فقال:
- {والذين يرمون أزواجهم} يقذفون زوجاتهم بالزنا {ولم يكن لهم شهداء} على تصديق قولهم {إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} فيما رماها به من الزنا.
- {والخامسة} والشهادة الخامسة {أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين} فيما رماها به من الزنا.
- {ويدرأ عنها العذاب} ويدفع عنها الحبس([7]) [والجبر على اللعان، فإنها إن امتنعت عن اللعان حبست وأجبرت عليه حقا للزوج] {أن تشهد أربع شهادات بالله إنه} إن الزوج {لمن الكاذبين} فيما رماني به من الزنا.
- {والخامسة أن غضب الله عليها إن كان} أي الزوج {من الصادقين} فيما رماني به من الزنا.
{ولولا فضل الله} تفضله {عليكم ورحمته} نعمته {وأن الله تواب حكيم} لفضحكم أو لعاجلم بالعقوبة.
([3]) أي: مشارك له في القبح لا أنه مساو له، لأن الشرك والكفر بأنواعه لا يساويه ذنب من الذنوب مهما عظمت.
([4]) أي: من المال الذي تكتسبه الزوجة الزانية بالزنا.
([5]) القحاب: جمع القحبة، وهي المرأة البغي.
([7]) هذا عند الحنفية، أما عند الإمام الشافعي رضي الله عنه: {ويدرؤا عنها العذاب} أي الحد كما قال تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة}، فعنده أيهما نكل حد، لأن قذف الرجل موجب للحد عليه، ويسقطه عنه اللعان، ولعان الزوج موجب للحد عليها، ولعانها يسقطه عنها.
