تفسير سورة المؤمنون من الآية أحد عشر إلى عشرين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20)
{الذين يرثون الفردوس} هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر {هم فيها خالدون} [لا يموتون فيها ولا يخرجون عنها].
{ولقد خلقنا الإنسان} أي ءادم {من سلالة من طين} السلالة: الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر، وقيل: إنما سمي التراب الذي خلق ءادم منه سلالة لأنه سل من كل تربة.
{ثم جعلناه} أي نسله {نطفة} ماء قليلا {في قرار} مستقر يعني الرحم {مكين} حصين.
{ثم خلقنا النطفة} صيرناها {علقة} قطعة دم، والمعنى: أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء {فخلقنا العلقة مضغة} لحما قدر ما يمضغ {فخلقنا المضغة عظاما} فصيرناها عظاما {فكسونا العظام لحما} فأنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس {ثم أنشأناه خلقا ءاخر} خلقا مباينا للخلق الأول حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وسميعا وبصيرا، وكان بضد هذه الصفات {فتبارك الله} فتعالى أمره في قدرته وعلمه {أحسن الخالقين} أي أحسن الـمقدرين تقديرا.
{ثم إنكم بعد ذلك} بعد ما ذكرنا من أمركم {لميتون} عند انقضاء ءاجالكم.
{ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} تحيون للجزاء.
{ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} هي السماوات، لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم {وما كنا عن الخلق غافلين} أراد بالخلق السماوات، كانه قال: خلقناها فوقكم وما كنا غافلين عن حفظها [من أن تسقط عليكم فتهلككم].
{وأنزلنا من السماء ماء} مطرا {بقدر} بتقدير يسلمون معه من الـمضرة ويصلون إلى المنفعة {فأسكناه في الأرض} جعلناه ثابتا في الأرض [في العيون ونحوها]، فماء الأرض كله من السماء {وإنا على ذهاب به لقادرون} كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه [فلا يبقى لكم ما تشربونه وتسقونه دوابكم وزروعكم فتهلكون عطشان يعرفهم منته في إنشائه وإبقائه].
{فأنشأنا لكم به} بالماء {جنات من نخيل وأعناب لكم فيها} في الجنات {فواكه كثيرة} سوى النخيل والأعناب {ومنها تأكلون} من الجنات، أي من ثمارها.
{وشجرة} هي شجرة الزيتون {تخرج من طور سيناء} طور سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيس، [قيل]: وهو جبل فلسطين {تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} إدام لهم، فالإدام الزيتون والدهن الزيت، وخص هذه الأنواع الثلاثة لأنها أكرم الشجر وأضلها وأجمعها للمنافع.